النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

رسائل سريعة قصيرة من مصر

رابط مختصر
العدد 8856 الثلاثاء 9 يوليو 2013 الموافق 30 شعبان 1434

كما توقع العديد من المصادر السياسية المتابعة لتطورات الأحداث في مصر، وضع الجيش المصري يده على الأمور، فعزل الرئيس محمد مرسي، وسارع إلى «تعطيل العمل بالدستور بشكل مؤقت»، إلى جانب التهيؤ من أجل «إجراء انتخابات رئاسية مبكرة على أن يتولى رئيس المحكمة الدستورية العليا إدارة شؤون البلاد خلال المرحلة الانتقالية لحين انتخاب رئيس جديد»، وتخويل «رئيس المحكمة الدستورية العليا سلطة إصدار إعلانات دستورية خلال المرحلة الانتقالية»، وبدء العمل من أجل «تشكيل حكومة كفاءات وطنية قوية وقادرة تتمتع بجميع الصلاحيات لإدارة المرحلة الحالية». تتضمن هذه القرارات، وأخرى غيرها وردت في خطاب وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي، بالإضافة إلى الجدل الذي برز إثر قراءة ذلك الخطاب، مجموعة من الرسائل السريعة القصيرة المبطنة التي حاولت القوات المصرية أن تخاطب بها المجتمع المصري أولا، والمجتمع الدولي ثانيا، يمكن قراءتها على النحو التالي. الرسالة الأولى، أن التغيير الذي تشهده المنطقة العربية، وتجسد بشكل جلي في مصر، لا يمكن إلا أن يكون تغييرا جذريا وليس شكليا، يمس جوهر الأنظمة القائمة التي ما يزال يحاول البعض منها الوقوف في وجه رياحه، ومن ثم فالأنظمة الذكية وحدها القادرة على قراءة هذه الضرورة التاريخية والتأقلم معها في اتجاه ذلك التغيير، وليس الوقوف في طريقه. وبالتالي فهذا التغيير لا يقبل بمجرد استبدال الشخوص، أو التطوير الشكلي السطحي لهياكل النظام، وإنما لا بد وأن تكون الاستجابة جوهرية وعميقة، هذا لمن يريد أن يتجاوب ومتطلبات ذلك التغيير، ويسير في جلبابه. الرسالة الثانية، هي إن استفراد أي فريق سياسي بالسلطة، حتى وإن تم ذلك من خلال صناديق الاقتراع، يتنافى ومحاولات بناء مجتمع وطني ديمقراطي. فهذا الأخير يتطلب في أبسط صوره، حتى وهو في مراحله الجنينية المبكرة، تضافر جميع القوى السياسية الفاعلة أحزابا وشخصيات وطنية، سوية مع منظمات المجتمع المدني، من أجل التأسيس لإقامة ذلك المجتمع. ومن ثم، فمن الخطأ النظر إلى عملية عزل الرئيس محمد مرسي، على أنها إجراء موجه ضد تنظيم «جماعة الإخوان المسلمين»، بقدر ما هو رفض لسياسة الاستفراد بالسلطة، والاستحواذ الحزبي الضيق على مؤسساتها، بعد اقصاء القوى السياسية الأخرى، وحظر مشاركتها في الحكم. هذا كان واضحا في بيان العزل الذي جاء فيه «ولقد كان الأمل معقوداً على وفاق وطني يضع خارطة مستقبل ويوفر أسباب الثقة والطمأنينة والاستقرار لهذا الشعب بما يحقق طموحه ورجاءه». الرسالة الثالثة هي، أنه بخلاف العديد من الجيوش العربية الأخرى، تتمتع القوات المسلحة المصرية بوطنية تجد نفسها، بفضل تلك الصفة، مجبرة على التدخل في الأمور السياسية، في اللحظات الحاسمة، وعند المنعطفات الحادة من تاريخ الشعب المصري، ومن ثم فأن الخطوة التي أقدم عليها الجيش، إنما أتت استجابة لمناشدة الشعب المصري الذي دعاها « لنصرته «لكنه» لا يدعوها لسلطة أو حكم وإنما يدعوها للخدمة العامة والحماية الضرورية لمطالب ثورته». هذا ما جعل القوات المسلحة تحرص على أن يتضمن البيان إشارة واضحة إلى أنها إنما اضطرت إلى ما أقدمت عليه بعد أن «تقدمت القوات المسلحة أكثر من مرة بعرض تقدير موقف استراتيجي على المستوى الداخلي والخارجي تضمن أهم التحديات والمخاطـر التي تواجه الوطن على المستوى الأمني / الاقتصادي / السياسي / الاجتماعي، ورؤية القوات المسلحة كمؤسسة وطنية لاحتواء أسباب الانقسام المجتمعي وإزالة أسباب الاحتقان ومجابهة التحديات والمخاطر للخروج من الأزمة الراهنة». الرسالة الرابعة، حملها الجدل الذي انطلق مجرد قراءة وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي نص البيان، الذي حذر من احتمال عودة حكم العسكر الذي اسقطته ثورة 25 يناير المصرية. يختزن هذا الجدل ثروة سياسية غنية في مدلولاتها، يدعو إلى عدم «الاستجداء من الرمضاء بالنار». إذ لا ينبغي أن يكون البديل لعزل الرئيس مصري محمد مرسي عودة الجيش للحكم، تماما كما جرى مع كليب أخو الزير سالم والمعروف باسم المهلهل، الذي بعد أن تلقى طعنة من جسّاس الذي حال دونه وشربة ماء، فسارع إلى الاستجارة بابن عمه عمرو، الذي كان يكن له كل الكره، فلم يتردد من النزول إليه وطعنه حتى أجهز عليه، فتحولت قصته إلى مثل تضربه العرب قائلة إن «المستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار». ولعل في حرص القيادات الدينية والمدنية على التشاور مع القوات المسلحة قبل صدور بيان العزل، والحضور ومشاركة السيسي عند قراءته له، الدليل الأوضح على أن التحول سيكون في اتجاه تعزيز دور المؤسسات المدنية، وليس العكس. ومن ثم فإن الخطوة التي أقدمت عليها القوات المسلحة لا تعدو كونها إجراء مؤقت من شأنه إعادة الثورة المصرية على الطريق الصحيح المرسوم لها، ينتهي دوره بتشكيل حكومة وطنية وانتخاب رئيس جديد. الرسالة الخامسة، هو تحذير النظام القادم، المؤقت أم المنتخب الذي سيليه، من الأخذ بسياسة الانتقام من رموز نظام الإخوان المسلمين السابق عندما أهابت القوات المسلحة «بالشعب المصري العظيم بكافة أطيافه الالتزام بالتظاهر السلمي وتجنب العنف الذي يؤدى إلى مزيد من الاحتقان وإراقة دم الأبرياء … وتحذر من أنها ستتصدى بالتعاون مع رجال وزارة الداخلية بكل قوة وحسم ضد أي خروج عن السلمية طبقاً للقانون وذلك من منطلق مسؤوليتها الوطنية والتاريخية». رسائل سريعة في بثها، قصيرة في نصوصها، لكنها راسخة في مدلولاتها، غنية في محتواها، لمن يريد ان يستوعب الدرس من القوى السياسية العربية الأخرى غير المصرية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها