النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

رياح لكل المواسم

رابط مختصر
العدد 8855 الإثنين 8 يوليو 2013 الموافق 29 شعبان 1434

كان معظم المتعلمين من أبناء جيلي لا يقرؤون إلا قراءات جادة وفي معارف مختلفة ومن مصادرها الأصلية، مما يحتاج منه إلى جهد وسهر وبحث وتنقيب عن الفكرة السديدة والرؤية العميقة،وبما يستدعي إجهادا للعقل والبدن ومغالبة للنفس..حتى كان اقتناء الكتاب يساوي في حساب أولئك اقتناء السيارة الفارهة التي يتبجح بألوانها وماركاتها شباب اليوم- على فقر في العلم وضيق في النظر والأفق- وما كان يدهش القارئين من أبناء ذاك الجيل ان يكتب كاتب أو يحدث متكلم - غير مفاخر- أنه في سن شبابه الأولى– قد حفظ إلى جانب القران الكريم- مقامات بديع الزمان ومقامات الحريري، وانه قد اطلع- فحصا ودراسة– على المقابسات الإلهية والصداقة والصديق والإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي، وعلى مجلدات إتحاف أهل الزمان والمنقذ من الضلال وتهافت الفلاسفة للغزالي وتهافت التهافت لابن رشد، فضلا عن كتب المنطق والحساب والفلك وغيرها من علوم العصر ومعارفه، فضلا عن القصص والروايات والأشعار والمترجمات.. ولا شك أن الظروف القديمة قد أسهمت جميعها في حد اندفاع ذلك الجيل نحو البحث والعلم من مصادره.. فالتلفاز لم تكن له سطوة اليوم، والفضائيات لم تكن قد ظهرت للوجود، والانترنيت كذلك، والآباء كانوا يصرون على حقوقهم كاملة على الأبناء فظلوا يقاومون ضعف الإنسان فيهم حتى لا يعطوا أبناءهم ذرائع على سلطانهم قوياً فعالاً. أما اليوم فقد تبدلت الأحوال وتكالبت عوامل الزمان ضد جيل الأبناء فما عاد جهد اليوم -مثلاً- في السعي من أجل الرزق يفي بحاجات الأبدان لذلك اليوم.. إلا في حالات حسنة الحظ، فأصبحت رواية الشعر والنثر ورياضة الذهن وتنمية المواهب بالكتاب، وإثراء الوجدان وسياسة الأذواق وتثقيفها بسماع الفنون ورؤيتها أصبحت هذه كالجريمة أو جريمة ضد الذات، لأن إنفاق أية شريحة زمنية في غير السعي من أجل الرزق بالطرق المباشرة أو غير المباشرة تفضي إلى التعطل.. فالاتكالية وساعات الليل التهما التلفاز وورق التسلية وغير ذلك من الوسائل. وتعلم الأبناء من قوى التحالف- التلفاز والانترنيت وشركائهما- احتقار كل القيم الموروثة أو معظمها، ومنها حرمة الجار وتقديس أعراض الرجال وتوقير مشاعر الآخرين على إطلاقها! وأفرز تعقيد الحياة وشيخوخة الزمان الثقافة الكبسولية فظهر الجديد الذي تجرعه الآباء.. ولا يكادون يستسيغونه! وأدرك الآباء أن السقوف تداعت وأن الرياح في كل المواسم تهب ضد أشرعتهم فتناسوا المفاهيم التربوية التي عاشوا عليها دهراً وصارواً كتباً مفتوحة أمام الأبناء منذ طفولتهم سريعة التأثر لا يسترون عنهم بلاء، فالبنات أنفسهن يعرفن أدق التفاصيل عن صبوات ذوي الصبوات من الأبناء- إلا من رحم ربكم- عن مقاعد الموجهين القدوات! وما كان لهم إلا أن يفعلوا بعد أن دخلوا بقصد أو بغير قصد ضمن (قوى التحالف) فالأب الذي يجلس أمام التلفاز يتابع مسلسلات الجهل مبهوتاً لاهث الأنفاس! والأب الذي يأتي بيته مخموراً يكاد يمشي على أربع! والذي يغرس عينه في الجارة.. والعابرة ومن يتنفس كذباً ليكسب مالاً.. أو وقتاً و ... إلخ أي واحد من هؤلاء يحير الشيطان، ويضحك حتى الإغماء إذا ما زجر ابنه أو ابنته عندما يأتي أحدهما أو كلاهما خطاً ما! وقد يفعل الأب غير مكترث بضحك الشيطان وإغمائه وحيرته وقد تزدجر الابنة والابن وقد يرفضان علانية- لا يدافع الاحترام بل بدافع الخشية على خفيض العيش مصدره الأب! ولكنهما يمارسان نشاطهما تحت الأرض وفي وسائل الاتصال الحديثة عون! وفي السيارة عون وفي المال السائب عون وفي رحلات الصيف المنتظمة خافضة القناع ألف عون! ولقد تبدلت الرؤى.. والمفاهيم وصار للحسن أكثر من معنى وللقبح أكثر من معنى وللحق والواجب أكثر من معنى وللوطنية ذاتها معان جمة وكذلك اختلفت معاني الرذيلة والفضيلة! والفن الراقي عندي يدفع ابني إلى التضجر والتثاؤب والضحك في الكم! وهذا هو قانون الحياة.. أذمه وتذمومه، أنكره وتنكرونه لكن من يقاومه ينكسر... تسحقه الأقدام العجلى من غير ان يلتفت إليه أحد أو يتندى لغيابه جفن. هل نحن بدع من الناس؟ يجيب كتاب التطور بالنفي ونجد فيه ان للمسيرات خرائط سير تختلف اختلافا كلياً باختلاف الأزمان.. والأمكنة، (والذكي) من أجيال شباب الزمان هو من يقبل على الثقافة الكبسولة فيقرأ الأمريكان اللاتين وكتاب أوروبا ومنظري رياح السموم التي تكتسح الدنيا، وإن لم تكن القراءة من عاداته يلوذ بالصمت أو يمشي خلف القافلة لا قدامها، وقد قيل إن الديناصور انقرض لأنه عجز-لبلادته-عن معرفة رموز الخرائط المتجددة ولم يستوعب الحكمة الدرامية (الرزق يحب الخفية)!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها