النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

مصــــارع الصحـــــــف

رابط مختصر
العدد 8852 الجمعة 5 يوليو 2013 الموافق 26 شعبان 1434

للأسبوع الثاني على التوالي لم تصدر مجلة «صباح الخير» يوم الثلاثاء الماضي، وللأسبوع الثاني على التوالي لم تصدر مجلة «روزاليوسف» في موعدها كل يوم أحد، وعلى الرغم من كثرة الصحف والمجلات التي صدرت في هذه الأيام الأربعة، فقد انتابني احساس بأن البلد يعيش بلا صحافة. أما السبب فلأنني عشقت قراءة الصحف ثم العمل بها، من صفحات «روزاليوسف» إذ كانت -كما هي رويت مرة- أول مطبوعة صحفية تقع عليها عيناي، عندما فكر أبي في اختبار مدى معرفتي للقراءة، فدفع إلي بنسخة كان يحملها من المجلة، وفتحها على صفحة «أخبار الفن»، وطلب إلي أن أقرأ خبرا منها، وما كدت انتهي من قراءته، حتى اقتنع أبي أن الأوان قد آن لكي أترك الدراسة في مدرسة القرية الابتدائية، والتحق بمدرسة إعدادية بالعاصمة. ومع أن خبر الانتقال من القرية إلى القاهرة، حيث يتاح لي أن آكل الفول والطعمية والحلاوة الطحينية قد اسعدني، إلا أن سعادتي كانت أوفر عندما أخذت أقلب صفحات المجلة، اتفرج على رسومها، وأقرأ ما أستطيع قراءته وفهمه من اخبارها ومقالاتها وقصصها. وخلال السنوات التالية، اكتشفت أن بالقاهرة أشياء كثيرة لا تقل متعة عن الفول والطعمية والحلاوة الطحينية على رأسها الصحف والمجلات الكثيرة، التي أدمنت قراءتها، لكن «روزاليوسف» ظلت أكثر هذه الصحف جاذبية لي إذ كانت خلال تلك السنوات من بداية الخمسينات مجلة سياسية متمردة تشن حملات عنيفة على الحكومة التي كانت قائمة وتنشر مقالات ملتهبة تندد بالاقطاع والرأسمالية والفساد والظلم الاجتماعي، وتشد المسخرة على الكبار الذين يحكمون البلد برسومها الكارياتورية، فتجتذب بتمردها جيلا من الكتاب والصحفيين الشبان، الذين كانوا يحلمون بوطن متحرر ترفرف في سماواته رايات الحرية والعدل ويكتبون أخبارهم ومقالاتهم المتمردة بلغة شيقة سلسلة. وفي النصف الثاني من عام 1955 بدأت «روزاليوسف» تنشر على صفحاتها حملة إعلانية تبشر قراءها، بأنها ستصدر مجلة أسبوعية ثانية هي «صباح الخير» اختارت لها شعار «للقلوب الشابة والعقول المتحررة» ظللت أنتظرها متشوقا إلى أن صدر العدد الأول منها في 16 يناير 1956، وما كدت أستعرض صفحاته حتى أدركت أنني أمام مطبوعة مختلفة تماما ليس فقط عن مثيلاتها من المطبوعات الأسبوعية بل كذلك عن مجلة «روزاليوسف» التي تصدر عن الدار التي تحمل اسمها. وكان المناخ السياسي في مصر قد تغير آنذاك: قامت ثورة 23 يوليو 1952، وصدر قانون الإصلاح الزراعي، وأعلنت الجمهوية، وصدر الدستور الجديد، الذي حظر تشكيل الأحزاب السياسية، ونص على إنشاء تنظيم سياسي واحد، هو الاتحاد القومي، وأوشكت قوات الاحتلال البريطاني على الجلاء عن قاعدة قناة السويس، وعلى الرغم من الصدام الذي وقع بين مجلس قيادة الثورة، وبين الصحف التي دافعت عن الديمقراطية خلال أزمة مارس 1954، وطالبت بعودة الجيش إلى ثكناته وأسفر عن إغلاق معظم المنابر الصحفية الديمقراطية، وعن اعتقال «احسان عبدالقدوس»، رئيس تحرير روزاليوسف، فقد ظلت المجلة قائمة تحاول أن توازن بين تأييدها للثورة التي حررت مصر من الاستعمار والإقطاع والفساد ومعارضتها لها بسبب النوازع غير الديمقراطية التي تمتلك قادتها من العسكريين فتميل إلى التأييد أحيانا وإلى المعارضة إذا ما أتاحت لها الظروف فرصة لذلك. ولأن مجلة «صباح الخير» كانت مجلة شبابية اجتماعية وليست سياسية، فقد اختارت أن تخوض معركة تأييد الثورة، بعيدا عن النقطة المحورية المختلف عليها مع الثوار، وهي مسألة الديمقراطية «السياسية» بأن تقوم بدور لم تكن قيادة الثورة قد تنبهت له بعد، وهو الدعوة لتثوير القيم والتقاليد الاجتماعية وتخليصها من رواسب التخلف والجمود والتزمت والرجعية ولذلك اتخذت شعارا لها عبارة «للقلوب الشابة.. والعقول المتحررة». وعلى امتداد سنوات ظلت «صباح الخير» منبرا لدعاة التجديد الاجتماعي فتبنت قضية مواصلة تحرير المرأة من القيود، ودافعت عن حقها في التعليم والعمل وفي اختيار شريك حياتها ودعت إلى تطوير قوانين الأحوال الشخصية، وسخرت من الرجال الذين ينفسون عن احباطاتهم باضطهاد زوجاتهم، وبناتهم وتصدت للتعقيدات البيروقراطية في دوائر الحكومة، وما يسود فيها من وساطة ومحسوبية ورشوة، واستغلال للنفوذ وإساءة لاستخدام السلطة، وشدت المسخرة على قيم الكسل والمظهرية والتفاخر بالاحساب والانساب والمجد القديم والزهد في العمل التي تسود بين الطبقات العليا، وتبنت كل دعوات التجديد الاجتماعي واحتضنت كل المواهب الشابة التي تسعي لتجديد القصة والرواية والقصيدة والفيلم واللوحة! وظلت كل من «روزاليوسف» و»صباح الخير» تؤديان هذا الدور حتى بعد أن انتقلت ملكيتهما إلى «الاتحاد القومي» -أي إلى الحكومة- عندما أممت دور الصحف الكبرى عام 1960، لكن ذلك فتح الباب أمام تقلب الإدارات التي تتولى شؤونهما المالية والتحريرية، فازدهرتا أحيانا، وأصابهما الركود في أيام أخرى، إلى أن بدأ الحديث في السنوات الأخيرة عن أزمات اقتصادية خانقة تعانيها دار «روزاليوسف» تصاعدت في العامين السابقين حتى عجزت الدار عن دفع مستحقات عمال المطابع، فامتنعوا عن طباعة المجلتين حتى يحصلوا على حقوقهم، وامتنع مجلس الشورى -الذي ينوب عن الحكومة في ممارسة حق ملكية الصحف القوميةـ عن تقديم معونة عاجلة لحل المشكلة وكانت تلك هي الواقعة الثانية خلال شهرين متتاليين.. ففي الشهر الماضي توقفت مجلات «دار الهلال» عن الصدور لمدة أسبوع للسبب نفسه. ومنذ ذلك الحين وأنا أتوقف طويلا أمام أكوام الصحف التي يعرضها البائع على الرصيف، ابحث عن «الأهرام» «والأخبار» و»الجمهورية» و»آخر ساعة» و»المصور» و»روزاليوسف» و»صباح الخير» وغيرها من الصحف التي قادتنا إلى عالم المعرفة الرحيب واحاطتنا علما بما يدور عندنا ومن حولنا وخلقت بيننا وبين أشقائنا العرب وشائج حب وصلات مودة.. خشية أن تكون قد لقيت مصرعها.. لتضيع إلى الأبد أجمل سنوات حياتنا التي أمضيناها بين صفحاتها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها