النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11922 الأحد 28 نوفمبر 2021 الموافق 23 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:25AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

بتنام وإلا نجيب لك «أم حمار»

رابط مختصر
العدد 8852 الجمعة 5 يوليو 2013 الموافق 26 شعبان 1434

إعتادت الأمهات والجدات في البحرين وسائر دول الخليج العربية في الماضي على تخويف أطفالهن بكائنات أسطورية مرعبة، وذلك بهدف الحد من شغبهم وشيطنتهم التي كانت تنافس شيطنة الأباليس، أو بهدف منعهم من الخروج إلى الأزقة في وقت اشتداد حرارة الشمس في الظهيرة حفاظا على صحتهم أو للحيلولة دون إختطافهم وإغوائهم من قبل ذوي النفوس الضعيفة والمنحرفين، أو بهدف دفعهم إلى الخلود إلى النوم المبكر، أو بهدف إسكات من كان يلح منهم في طلباته أويكثر من أسئلته مثل: «لماذا للقط ذيل وأنا بدون ذيل؟» و»لماذا تخاف القطة من الكلب والفأرة من القط؟» و»أين تذهب الشمس في الليل؟ ولماذ لا يظهر القمر في النهار؟»، وما شابهها من الاسئلة الطفولية البريئة. وكانت صيغة التخويف تأخذ في العادة عبارات مثل: «لا تطلع من البيت لأن الشيء الفلاني مختفي في الداعوس ويمكن يصيدك وياكلك»، أو «بتنام الحين وإلا نجيب لك الشيء الفلاني ليفعل بك كذا وكذا». وبطبيعة الحال فإن هذا «الشيء الفلاني» المقصود به تلك الكائنات الخرافية المركبة التي كنا في مرحلة الطفولة والشقاوة نهابها، ونرتعد منها، ونجري هربا منها للاحتماء بـ «البرنوص» أو رمي أنفسنا في أحضان أمهاتنا وجداتنا. وقد ساعد على ذلك أن الناس كانوا يعيشون على الفطرة والبساطة، فكانوا مستعدين لتصديق الأساطير والخرافات، بل وتأليفها وترويجها. وبمرور الزمن صارت هذه الحكايات الخرافية تتردد على الألسنة وتتوزع على الأمكنة مثل الخرائب والآبار والمزارع والبيوت المهجورة وعلى الأزمنة مثل الظهيرة والليل. فمثلا كانوا يخصصون لليل أنواعا معينة من الجن والعفاريت المؤذية التي تستغل الظلام لتخرج وتؤذي الناس وتسحرهم، وكانوا يخصصون للظهيرة أنواعا أخرى من العفاريت التي تستغل اشتداد الحرارة وخلو الشوارع لاختطاف الأطفال، وعلى هامش هذه الحكايات صارت مقولة «لا تهمل نفسك في طريج ولا تمشي مع غير الرفيج» متداولة بكثرة. ويقول علماء النفس في هذا السياق أن من يؤلف الحكايات الأسطورية حول الجن والعفاريت والكائنات الخرافية ويرددها ويروجها أو ينجذب إليها إنما يفعل ذلك من أجل تخفيف ما بداخله من انفعالات واحتدامات نفسية. وبعبارة أخرى فإن الخوف الداخلي يخرج على هيئة رموز وتصورات وتخيلات يتم إسقاطها على الخارج. من الخرافات التي تم ترويجها في البحرين: خرافة أم حمار: وهي من أقدم الخرافات المرتبطة بذاكرة أهل البحرين، وأكثرها توظيفا لإشاعة جو من الرهبة والخوف. ومحورها حيوان خرافي ممسوخ نصفه الأعلى عبارة عن رأس إنسان، ونصفه السفلي عبارة عن رجلي حمار. وقد أشيع أن هذا الحيوان لايخرج إلا في الليل أي حينما يخيم الظلام وتخلو الأحياء من الحركة ويغط الناس في سبات عميق، فحينئذ تخرج ام حمار ومن خلفها تجري مجموعة من الكلاب لتخيف الناس او تسحرهم او تقتص منهم أو تدوس عليهم وتأكلهم. ومن المهم هنا التذكير بأن «خرافة أم حمار» أولدت خرافات أخرى فرعية كثيرة، كما وأتاحت الفرصة للبعض لإضافات البهارات لشخصية أم حمار. ويقال أن أكثر من استخدم هذه الخرافة في تخويف الأطفال هم سكنة فريج «الصنقل أو الصنقر» في المحرق بدليل وجود داعوس في هذا الفريج بإسم داعوس «أم حمار». حكاية «أم الخضر والليف»: و»أم الخضر والليف» ليست سوى النخلة، فالخضر إشارة إلى سعف النخلة، والليف إشارة إلى الغشاء الذي يلف عنقها. وقد صنع منهما الأولون كائنا خرافيا لتخويف الأطفال، خصوصا وأن النخلة تصدر أصواتا تثير الفزع مع هبوب الرياح، ناهيك عن أن ارتفاعها الشاهق وقمة رأسها المزين بسعف متحرك قد يبدوان للناظر كإمرأة طويلة بشعر غجري منكوش، لا سيما وأن المرأة إرتبط إسمها دوما في الموروثات القديمة بالسحر والشعوذة. ومن النوادر التراثية عن «أم الخضر والليف» أن رجلا كان يمشي بين المزارع فرأى جذع نخلة مقطوع، وعندما مر من جانبه رآه يتدحرج ثم راح يتدحرج خلفه حتى وصل آخر الطريق، فأحس بالرعب وأخذ يتلو آيات من القرآن حتى اختفى عنه. وفي السياق نفسه يقول أحدهم أنه ظل لسنوات يخوفونه بأم الخضر والليف دون أن يعرف أنها النخله، فحينما عرف صار يخاف من النخلة! خرافة حمارة القايلة: والقايلة كما يعرف الجميع هي فترة الظهيرة التي تخلو فيها الشوارع من الحركة وتتوقف فيها الأنشطة والأعمال بسبب اشتداد حرارة الشمس، وخصوصا في فصل الصيف اللاهب. في هذه الفترة تحديدا كانت الأسر تخاف من خروج أطفالها من المنزل خشية ان يقعوا فريسة للاغتصاب على يد البعض من المنحرفين وذوي النفوس الضعيفة، أو فريسة للخطف من أجل البيع والشراء، أو خشية تعرضهم لحرارة الشمس، فلم يكن أمامهم سوى تخويفهم وردعهم بإيراد قصص عن كائنات خرافية من صنع الخيال تنتظرهم في الخارج لتفعل بهم كذا وكذا. وفي هذا السياق اخترعوا خرافة حمارة القايلة التي تشبه كثيرا خرافة ام حمار، مع فارق أن الأولى تظهر في الظهيرة والثانية لا تظهر إلا في الليل. وكانت الأمهات يلجأن إلى ذلك أيضا مع الأطفال كثيري الأسئلة على نحو ما أسلفنا فكن يقلن لهم: «بتنام وإلا نجيب أم الخضر والليف تأكلك؟» فإذا واصل الطفل أسئلته قائلا: «ومن هي أم الخضر والليف؟» فإن الأم كانت تغافل طفلها وتطرق بيدها على «الدريشة» وتردف قائلة: «هاذي أم الخضر والليف وصلتْ»! فلا يجد الطفل أمامه سوى رمي نفسه في حضن أمه فزعا وهو يرتعد ويعدها بالسكوت والخلود إلى النوم. السعلوة «البعض يسميها السلعوة»: وهي خرافة اخرى ذات أصل واحد عند الشعوب العربية تشير إلى مخلوق عجيب يفترس البشر في الصحاري والمناطق المقفرة. أما شكله فيجمع ما بين الذئب والكلب وابن آوي، وهو شديد المكر، لا يخشى الإنسان ككل حيوانات الغابة، ويُفضل الفتك بالمنفردين عن المجتمعين، وفي حالة الجوع الشديد لا يتوانى عن الهجوم على المنازل، وعليه فهو يتميز عن بقية الحيوانات المفترسة انه يسعى الى افتراس الانسان في بيته، ويسعى إلى إمتصاص دمه. ومع مرور الوقت وتناقل الأسطورة من لسان إلى لسان، كل يدلي فيها بدلوه، ويضع بهاراته على القصة حتى يحصد أكبر قدر ممكن من التشويق، تحولت السعلوة إلى ما يشبه الحقيقة ونبت لها أصول وجذور وقواعد. فراح البعض يقول أنها غول في صورة إمرأة تنتظر الرجال في المناطق المقفرة، وتغريهم باصطحابها معهم، أو اصطحابهم معها، ثم في أول فرصة تقوم بالكشف عن حقيقتها وقتلهم ومص دمائهم، مضيفا أن لديها قدرة فائقة على التحويل وتغيير شكلها بمرونة تساعدها في اجتذاب الضحية وخداعه، وأن «السعلوة» تفضل الهجوم على الرجال المنفردين، حيث يسهل ذلك عليها مهمة الافتراس والخديعة. وراح آخرون يقولون أنها كائن من ذوات الأربع، قوائمة الأمامية أقصر من قوائمة الخلفية، مغطي بالفرو أو الشعر، يسكن الصحراء أو الجبال المقفرة، لا يخشى الإنسان، ذكي ومتحايل، يحب الهجوم على الإنسان منفرداً، ويمكنه التجرؤ عليه ومهاجمته في بيته. وفريق ثالث قال بأنها إمرأة من عالم الجان تستهوي بني الإنسان وتحب مص دمائهم، وإذا أعجبها واحد منهم تتزوجه وتحيا معه، بل وتنجب منه الأبناء أيضا دون أن يستطيع هو «أي الانسان» ملاحظة أي أمر غريب في هيئتها وتكوينها، وهذا ماذكره المسعودي في كتابه «عجائب الزمان»، وأشار إليه أيضا الجاحظ في كتابه «الحيوان»، بينما راح الدميري في كتابه « حياة الحيوان» مذهبا آخر، إذ قال أن «السعلوة» هي غول لكنها أخبث الغيلان لأنها تمد وتقصر، وكثيرة الصخب، ثم فرق بين»السعلوة» والغول قائلا أن الأولى تظهر في النهار بينما الثاني يتراءى للناس ليلا. أما إبن الجوزي فسماها حيوان «الزبزب» وقال أنه أرعب الناس في سنة 404 للهجرة فجعلهم يضربون الهواوين والصواني ليفزعونه ويبعدونه، واصفا إياها بالكائن الذي يظهر على السطوح في الليل وياكل أطفال الأسر ويستهدف قطع يد الرجال وثدي الناس بالعض. وقد تم ذكر وتدوين هذه الخرافات في العديد من الاعمال الفنية والروائية الخليجية مثل رواية «الجنــّية» للدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي، والمسلسل الكوميدي البحريني «طفاش»، والمسلسل الكويتي الكوميدي «فريج صويلح» والذي ظهرت فيه «حمارة القايلة» و»أم الخضر والليف»، والأخيرة يسمونها في الكويت والأحساء والقطيف بـ «أم السعف والليف»، وفي الإمارات بـ «أم كربة وليف». والغريب ان أدوات التخويف والترهيب الخرافية هذه لم تكن مقتصرة على المجتمعات الخليجية. فأثناء بحثي إكتشفت أن الأدوات نفسها، ولاسيما «أم حمار»، تستخدم لنفس الأغراض في مجتمعات عربية بعيدة عن الخليج مثل المجتمع المغربي على سبيل المثال والذي تستخدم فيه الامهات والجدات المغربيات قائمة طويلة من الكائنات الخرافية لردع وترهيب أطفالهن مثل: بغلة القبور، الخبابة، النداهة، الدعيدع «وتسمى بدعيدع او مديدع المقبرة في البحرين، بينما تسمى في الكويت بضو دعيدع وهو جان ذكر يظهر للفلاحين في المقابر ومزارع النخيل لإغوائهم وسحرهم في صورة ضؤ او نار فإذا اقتربوا منه اختفى»، أم إرعام، ابومغوي، الصالحين، عبدالعين، الطنطل، وغيرها كثير. وحينما تطورت المجتمعات الخليجية نسبيا وإزداد وعي ناسها قليلا، تم إستبدال أدوات التخويف السابقة، مثلما أستبدلت أشياء أخرى كثيرة، فصارت الأمهات والجدات يخوفن الأطفال والأحفاد المتمردين او العاصين للأوامر بالشرطي الذي يقبض ويسجن، أو بالبدوي القادم من البر لسرقة الأطفال والإتجار بهم بيعا وشراء، أو بـالطبيب «الدختر» الذي يغرز في الجسم إبرة مؤلمة، ولاسيما بعد أن انتشرت أغنية الفنان الراحل محمد فوزي «ماما زمانها جاية» والتي يقول في إحدى مقاطعها « عارف الواد اللي إسمه عادل .. جا الدكتور وعملـُه إيه؟ ..راح مديلـُه حقنة كبييييرة.. عارف إداله الحــُقنة ليه؟ .. مابيشربش اللبن الصبح .. وكل اصحابه ضحكوا عليه» ليتبعها صوت الطفل باكيا كناية عما سببته «الحـُـقنة» من ألم ووجع. وبظهور التلفزيون في المنازل وتعلق الأطفال ببرامجها وأفلامها أضافوا أداة أخرى لتخويف الأطفال وإنزال الرعب في قلوبهم. ولم تكن هذه الأداة سوى مجسد أدوار الشر الراحل محمود المليجي، خصوصا بعدما رآه الأطفال في فيلمي «أبوالليل» و»الوحش». ولاحقا أضافوا الهندي كمرعب للأطفال العصاة، رغم أن الهندي يعيش مسالما في بيوتهم ويلبي كل مطالبهم، فكانوا مثلا يخوفون به الأطفال قائلين «الهندي لي من سفـّرناه بياخذنكم في شنطته إلى بمبي» أو «ياكم الساحر الهندي راعي الثعابين»! في زمننا الراهن لم يعد هناك من شيء يخوف الأطفال، فكلهم أو معظمهم يعصون الأوامر جهارا نهارا دون ان يردعهم رادع، بمعنى أنهم يخرجون متى شاؤوا، ويتسكعون أينما أرادوا، ولا يدخلون غرف نومهم الا في ساعات متأخرة من الليل، بل ويتحدون الرعب بمشاهدة أفلامه في جلسات استرخاء مع أكياس «التشيبس» وزجاجات «البيبسي» وأطباق الوجبات السريعة. وهذه بطبيعة الحال إحدى ثمار ونتائج التربية الحديثة التي يقف وراءها المنظرون ممن يرون في إخضاع الطفل بالتخويف والترهيب سببا في تشوه واهتزاز شخصيته، وإصابته بعقد نفسية حينما يكبر. فهل يا ترى جيلنا الذي عاش طفولته مع «أم حمار» و»حمارة القايلة» وأم الخضر والليف جيل مصاب بعقد نفسية وأبناؤه من ذوي الشخصيات المهتزة؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها