النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

الإقامة خارج الذاكرة: هستيريا خرائط الكتابة والكتّ

رابط مختصر
العدد 8848 الإثنين1 يوليو 2013 الموافق 22 شعبان 1434

«أن نكتب من دون كتابة، أن نأتي بالأدب إلى نقطة الغياب، حيث لا نعود نخفي أسرارها التي هي أكاذيب، هنا تكمن درجة الصفر للكتابة، الحياد الذي يبحث عنه عمداً كل كاتب أو عن غير قصد، والذي يقود البعض إلى الصمت».... هكذا كتب الفرنسي «رولان بارت» ذات يوم في كتابه الشهير « الدرجة الصفر من الكتابة». أما في اللغة العربية فيضعنا الفعل «كتب» مباشرةً أمام الفعل «كبت» وإزاء التَساؤل حول اللاوعي اللغوي العربي الذي جعل الفرق بين المفردتين مجرد بعثرة للحروف، نلاحظ أن في هذا الفعل حركة إخفاء وإظهار بين الإرادة والاستطاعة والإمكان والوجود، وذلك أن لحظة الكتابة هي لحظة استرجاع من ناحية وتملك من ناحية أخرى وافتكاك وتهريب إلى الخارج لما تستبطنه الذات، بمعنى أن تكتب أي ان تكبت بشكل أو بآخر: افكارا مشاعر رؤى، حقيقة ما تشعر به أو حقيقة ما تراه، فتصبح الكتابة حالة تحايل على الذات وعلى الموضوع معا، أي حالة» كذب» أو حالة» مخاتلة».. إن الكتابة تضعنا إزاء الأسلوب، أسلوب الكتاب كما يحيا حياته وكما يطيب له أن يحياها وهو حقل استعادة لكل ما كان من جراحات ومدارات وتهويمات وتقلبات ومطارحات ومن ذكريات.. ويحتاج الكآبة من اجل الكتابة إلى «قلم» وعيني امرأة وكتيبة من الأعداء وحضور الاشتهاء أو غياب الاشتهاء، كما يحتاج إلى بعض التراب لإنشاء بيت أو قبر أو منفى, ليكتب ويعلق ما يكتبه على شاهد قبره ويموت كالأمم القديم ميتة أسطورية لا تخلو من احتفال واحتفاء بالموت!! أما القراءة فهي كتابة تمتهن التأويل والتأويل مجتث من مباحث الخروج من بؤرة الفهم.والفهم نظام وجود، وليس نظام معرفة, والفهم مطابقة خيال القارئ لخيال الكاتب،وهذه المطابقة تقود إلى ميثاق عميق بين الكاتب والقارئ تتعدى حدود المواضيع لتلامس حدود الذوات وتخيلاتها وتهويماتها لأن فعل الكتابة ينشأ داخل حقل تخيلي منشد لتزامن يحكمنا بالمعيشي تماماً مثلما ينشأ فعل القراءة. القراءة هنا قد تكون من اليمين إلى اليسار، من فوق إلى تحت من اليسار إلى اليمين, من الداخل إلى الخارج ومن القريب إلى الغريب من السطح إلى العمق من المتآلف إلى المتغاير من الشفاف إلى الكثيف قراءة المنطوقات والمسكوتات والاتجاهات المتعاكسة وأيضا قراءة الانكسارات والالتواءات والبؤر ومختلف أشكال الذهول التي تشكل هستيريا الخرائط المكتوبة لأننا نكتب كما يقول «دولوز» لنرسم مسالك للهرب ونقيم حيث لا توجد ذاكرة، ولأننا نكتب وفقاً لرحلة قادمة لم تكتس لغة بعد.. فما أصعب الكتابة في كون انخرمت فيه نظم اللغة... وما أسهل القراءة!!!؟ إن إشكالية القراءة والكتابة على اتصال بالمؤسسات أيضا فأن تفكر الخطاب يعني أن تكون إزاء التقاطع بين الذات والمؤسسة وبين المؤسسة والخطاب وبين الخطاب والسلطة وذاك شرط بقائها جميعا إذ لا ينحصر الخطاب في حدود ما يظهره الكلام من معنى ولا ينحصر المعنى في حدود بني العقل الكلاسيكية ومعاييرها، والتفكير.. إذن..هو فعل القراءة وفعل الكتابة مجتمعين.. والتفكير فعل خطير.. هذا ما قاله نيتشه، والتفكير هو مشروعية القراءة والكتابة والخطاب، ولكن ما جدوى البحث في تفاهة الكلمات عن معنى قد يكون في الختام تافها مادمت الحقيقة وكل حقيقة حتى الموثوق بها وثوقا علميا هي دائما ظرفية ومادام الخطاب حول الخطاب يتحدث اليوم عن انهيار الأيديولوجيا...والمقال الذي يتعين عليك كتابته بلغة عربية إسلامية... والأفكار التي يقع الاستيلاء عليها في وضح النهار بقوة مسلحة..ومجلات الثقافة وصفحات الإعلان التي تمحو الشعر وتجعله في آخر الطابور..النقاد الذين ينزعجون من النقد والمقالات التي لا فرق بين أن تقرأها أو ألا تقرأها، جميعها وجوه من مأساة القراءة الكتابة عندنا، وهي مأساة وجود أولا وأخرا... جملة مفيدة ساد في السنوات الأخيرة، تزامناً مع استشراء موجة الاستهلاك وسلسلة الهزائم التي تعرض لها العرب، حالة انحطاط عام في الذوق الثقافي والفني، تزامنا مع الانحطاط العام في القيم الإبداعية و»الثقافة الجماعية» وفي «الجهد الثقافي الجماعي» وفي عمل «المؤسسات الثقافية»الرسمية والأهلية، وفي عمل «الجمعيات الفنية والتشكيلية والمسرحية وغيرها»، مع استشراء النزعات «الفردية» و»الانتصار للأنانية والانحياز للذات» باعتباره طوق النجاة الوحيد المتبقي كأفق مميت للعديد من المثقفين والفنانين الذين باتوا يتراكضون وراء خلاصاتهم الفردية، حتى وان كان ذلك عبر انتهاج طريق السخافة الإبداعي وإراقة ماء الوجه بما لا يليق بالحر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها