النسخة الورقية
العدد 11182 الأربعاء 20 نوفمبر 2019 الموافق 23 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:36AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

كلام عن الصداقة والحب والتسامح

رابط مختصر
العدد 8846 السبت 29 يونيو 2013 الموافق 20 شعبان 1434

وأنا بين الارض والسماء في الطائرة كتبت هذا الموضوع أحيانا ينتابني شعور جارف بعدم الكتابة في السياسة، بل افكر في أحايين كثيرة في هجر هذه النوعية من الكتابة التى توجع قلوبنا وعقولنا وأبداننا، وأخاطب نفسي بأن الكل يشاهد في التلفاز ما نكتبه بل قبل أن نكتبه، فما هى الإضافة التي سنضيفها للقارئ العزيز.. وفي هذه اللحظة التي نكره فيها السياسة لا نجد ملاذاً سوي في الحكايات، فنشرات الأخبار لا تنقل لمشاهديها حكايات وقصص طريفة ومعبرة وأقوال مأثورة اللهم سوى النذر القليل من بين آلاف المشاهد من أخبار الحروب والمآسي والقتل والتشريد. لم ابحث طويلا في مخيلتي ومكتبتي، فالحكايات كثيرة خاصة بعد أن اقتحم الانترنت عالمنا وأصبحنا نستقبل يوميا عشرات الروايات والحكايات والحكم والأقوال المأثورة، فالروايات ما أكثرها ومنها ما يحكي لنا عن حلاوة الحب وأهمية الصداقة وسمو الروح والصدق والابتسامة والبغض والنفاق وقطع الأرحام، فالحكايات تطال كافة مناحي الحياة والدين، فهي بمثابة المعين الحقيقي للمعرفة والفتاوى. وتحضرني حكاية جميلة من بين أخرى عديدة أرسلها لي صديق مؤخرا وكلها ذات معنى كبير، وتروى هذه الحكاية حديثا دار بين طفل وجده، فعندما سأل الحفيد الجد هل لديه أسنان؟، تجاهل الرجل الكبير أن يضع اجابة مباشرة على لسانه ردا على استفسار الحفيد، حيث رأى أنه من الأفضل ان يستغل مضمون السؤال ليضع الحفيد امام درس بالغ في اهمية الصداقة والأصدقاء.. واعتقد ان الجد تعمد الالتفاف على مضمون سؤاله حفيده:»هل عندك أسنان ياجدي؟».. فما كان من العجوز إلا ان اخذ نفسا عميقا ليرد بإجابة بعيدة تماما عن السؤال وليبلغ الطفل بان الحياة علمته الكثير رغم قصرها. وزاد الجد في اجابته بأن الحياة مثل الأسنان، وأن الأسنان أيضا مثل الأصدقاء من حولك، فهم حولك دائما ويساعدوك تارة ويؤلمونك تارة أخرى، وعليك ان تغسلهم جيدا وتحافظ عليهم كل يوم ليظلوا لك نافعين. وأضاف الجد «إن من يجرحك منهم فهو مثل التسوس الذي يصيب إحدى الأسنان، ومن يحبك تجده ناصع البياض كقلبه.. والسن الذي تفقده هو كالصديق.. تتألم عليه لفترة ثم يزول ألمه وتنساه، ولكن يبقى ذاك الفراغ ذكرى لا تنساها». انتهت اجابة الجد للحفيد، ولكن الحديث عن الصداقة والحياة لم ينته، وطالما نتحدث عن الصداقة، فرسالة أخرى تشبه الصداقة بالعلاقة بين الانسان والعصافير، فالعصافير إن أمسكتها بشدة تموت، وإن أمسكتها بتساهل تطير، اما اذا اردت ان تبقى، فأمسكها بعناية لتكون معك للأبد، وهذا يستدعي من الانسان ان يعتني بمن يريد أن يبقى معه. وحب الأصدقاء وطبعا الأهل نعمة وهبة من الخالق للمخلوق، فنحن في حاجة الى هذا الحب والتقدير المتبادل، وإذا كانت كل أمورنا تتطلب منا حكمة وعقل وتدبر وحسن تصرف، فان الحب بكل انواعه لا يحتاج لحكمة وعقل، لان الحب ذاته حكمة الله على الأرض وبالتالي فلا مجال لحكمة البشر. ويحضرني جملة رائعة جاءت على لسان مارتن لوثر كنج، هذا الإنسان الذي حارب وناضل من أجل حقوق السود في الولايات المتحدة وتحمل الكثير من الأذى والاضطهاد في بلاده حينما كانت عنصرية واعتقد انها لم تتخل بعد عن كامل عنصريتها، فمارتن لوثر كنج قال «علينا ان نتعلم كيف نعيش سويا كالإخوة، او ان نهلك معا كالحمقي». لقد قالها الناشط الحقوقي الامريكي ولم يلمسها في حياته، ولكنها اصبحت حقيقة بعد مماته، وأصبح هو كالصديق الوفي لدى الكثير من الأمريكيين فهو عاش من اجلهم وحارب من اجل نيل حقوقهم الضائعة. وهكذا هو الانسان والصديق. فمارتن لوثر كنج احب الحياة على طريقته وأحب العطاء ولم يبخل، واسعد من حوله وأعطاهم من وقته وجهده وعرقه وتفكيره.. أعطى الجميع فكانوا سعداء، ولم يفكر في نفسه ويقول انني لم يصبني سوى خيبات الأمل وجرعات الألم .. فهو جعل من مرارة حياته حرثا لإسعاد الاخرين، وحول تلك المرارة الى حلاوة لكل السود في بلاده. وعلينا ان نكون مثل العشاق الذين يستميتون دفاعا عن مواقفهم ومكاسبهم العاطفية، فهم لا ينسحبون مهما كانت مواقف العاشق، ويبررون كافة تصرفاته، فعين المحب جميلة لا ترى أخطاء المحبوب، وهكذا يجب ان يكون الصديق، فلا يندم على نية صادقة منحها ذات يوم لأحد لم يقدرها، بل عليه ان يفتخر انه كان ولا يزال إنسانا يحمل قلبا طيبا حتى لو كان بين ناس لا يقدرون القلب الابيض الصادق. وعلينا ان ننتظر الصديق اذا ما غاب دون ان يسأل عنا يوما، ونبادر نحن بالسؤال عنه، لعل كان غيابه نتيجة مرض او انشغال في مهمة عمل، فتلكن المبادرة منا لعلها تكون تعبيرا عن لمسة وفاء او مد يد المساعدة في وقت ضيق وشدة يمر بها الصديق. دروس الحياة كثيرة حقا، فمنها تعلمنا ان الدرس الصعب هو الذي يصعب حفظه، ومن الحياة تعلمنا ان الدرس الاصعب هو الذي يصعب نسيانه. فمحظوظ من لديه صديق يقف بجانبه في هذه الحياة ولا يتركه أبدا، ولا يبتعد عنه مهما كانت الظروف، والأصدق ان يتحملنا الأصدقاء كما نحن ويفاجئوننا بأفعال تسعدنا حتى وإن اخطأنا في حقهم يوما ما. ومن الأحاديث عن الأسنان والأصدقاء الى الحياة، فالحقيقة ان الحياة تقسو علينا أحيانا وتصالحنا أحيانا أخرى وربما يلعب الحظ دوره معنا، ليقف معنا تارة ويكون ضدنا تارة أخرى ولكن الأهم ان نرضى بالواقع لآن كل شئ مكتوب. ومن الكياسة ان نتعامل مع ظروفنا بقدر كبير من الشفافية والصدق حتى لا نسأم الحياة، وهذا الشعور يبعث بداخلنا روحا قوية تجعلنا نتذكر المولى عز وجل ونتقرب منه خاصة عند الابتلاء، فالابتلاء نعمة علينا ان نشكر الله عليها، لأنه اختبار وامتحان للمؤمنين فقط وليس لغيرهم. ومن الحكم الجميلة التي قرأتها انه لا يوجد فرق بين لون الملح ولون السكر وقد نربطها أيضا بالصداقة، فاللون واحد ولكن طبعا يختلف الطعم، وشتان بين الإثنين، والمعرفة هنا تتطلب التجربة لكي نعرف الفرق. وإذا كان الفرق بين السكر والملح يأتي بعد التجربة، كذلك نتعلم الفروق بين البشر، فثمة من يعذرني لخطأ بدر مني وهناك من يعاتبني مباشرة، وآخر يقاطعني بدون عتاب، مع إن من الواجب ألا نكتم أخطاءنا او أخطاء غيرنا، فمجرد عتاب رقيق سيعيد المحبة ويؤصل الصداقة. وهنا يروق لي صديقي الذي يخبرني مباشرة بزعله او بانزعاجه منى بسبب تصرف بدر مني بدون قصد، فهو بهذا التصرف الراقي سيفتح المجال لي لشرح الأسباب بعكس ذاك الذي يبادر مع أول خلاف او سوء فهم الى النميمة واغتياب الحرمات. وهنا نستطيع التمييز بين الأصدقاء ذوي الأرواح الراقية وغيرها، فالروح الراقية تحترم ذاتها وغيرها، وتعرفها بسهولة وبعمق من خلال حديثها الرقيق المؤدب الراقي الصادق، فصاحب الروح الراقية يتحدث بأدب ويمرح بأدب وحتى عندما يختلف يكون اختلافه بأدب لحين التلاقي عند نقطة سواء. وبطبيعة الحال، فان الصديق الوفي لا يطالبنا بتبرير مواقفنا حتى وإذا اساء الظن بنا، لآن النظرية والقاعدة والتجربة تؤكد ان «من يعرفنا جيدا يفهمنا جيدا» ، بالإضافة الى ان العين تكذب نفسها إن أحبت والأذن تصدق الغير إن كرهت». وهذا ينقلنا الى قاعدة أخرى مهمة في عالم الصداقة والحب اذا اردنا ان نعيش سعداء خاصة، فالحياة قصيرة جدا حتى وإن طال العمر، وتلك الحياة لا تستحق الضغائن والبغض والحسد والنفاق وقطع الأرحام، وإذا اردنا ان نعيشها بسهولة ويسر بلا اوجاع وأمراض، فلنطبق قاعدة « كن أعمى عن كل شيء لا يعجبك.. وكن أصم لكل شيء يجرحك.. وكن متبلدا لكل شيء يؤلمك» حتى نعيش سعداء ويكون ماضينا إذا غبنا عن دنيانا ذكرى طيبة لدى الأصدقاء، فالابتسامة نعمة وصدقة في وجه الأخ والصديق، والتسامح هبة من الخالق، فلنسامح من أساء إلينا ونبتسم في وجهوهم، فالجنة تحتاج قلوبا صافية ومتسامحة ومؤمنة. اِزرع دَاخِل الجَميع شَيئاً يَخُصكَ، انْ لم يكُن حُباً فَليكن احتراماً كاتب بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها