النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12141 الثلاثاء 5 يوليو 2022 الموافق 6 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

مذكــــــــــــــــرات دجّـــــــــال

رابط مختصر
العدد 8845 الجمعة 28 يونيو 2013 الموافق 19 شعبان 1434

شغفت بقراءة السير الذاتية التي يكتبها الساسة والمفكرون والأدباء والقادة العسكريون وغيرهم من صناع التاريخ، لكنني توقفت أمام فرع من هذه السير، بدا لي أكثر جاذبية وتشويقا، هو المذكرات التي يكتبها أو يرويها آحاد من الناس لم يشاركوا في صنع تاريخ الأمم والشعوب، ولكنهم صنعوا تاريخهم الخاص، وتركوا لنا صورا اجتماعية شديدة الثراء لعادات وتقاليد ومهن، اندثرت مع تطور المجتمعات استفاد منها المؤرخون في كتابة التاريخ الاجتماعي للحقب التي عاشوها، أو الظواهر الاجتماعية التي كانوا جزءا منها. وفي العشرينات والثلاثينات وما بعدهما شجع بعض محرري الصحف، نماذج من آحاد الناس ممن لا يعرفون الكتابة أو القراءة على رواية سيرهم الذاتية، فقرأنا «مذكرات فتوة» و«مذكرات عربجي» و»مذكرات نشال»، وشجع الإقبال على قراءة هذه التجارب الإنسانية آخرين على كتابة مذكراتهم، كان من بينهم مجرمون ارتكبوا جرائم شغلت الرأي العام وضباط شرطة قضوا حياتهم في مكافحة الجريمة، ورجال أعمال عصاميين صعدوا من أسفل السلم الاجتماعي إلى قمته، واهتم عدد من صناع التاريخ، الذين كتبوا مذكراتهم، بتضمينها فصولا عن الظواهر الاجتماعية التي عاصرها لعل من أبرزها ما كتبه «طه حسين» في الجزء الثاني من سيرته الذاتية «الأيام» عن الحياة الاجتماعية والتعليمية لطلاب الأزهر في مطلع القرن العشرين! وكانت مذكرات «محمد شكري الكرداوي أفندي» هي أول سيرة ذاتية أقرؤها وتشدني إلى قراءة السير الذاتية بشكل عام، والجانب الاجتماعي منها بشكل خاص، وقد صدرت في عام 1936 وقرأتها في بداية خمسينيات القرن الماضي، وكان «الكرداوي» طالبا مصريا بكلية الطب بالآستانة، يمضي إجازته في بلده، حين أعلنت الحماية البريطانية على مصر، فانقطعت دراسته، واعتقل عدة مرات خلال سنوات الحرب بسبب نشاطه السياسي وبعد انتهائها القى بنفسه في تيار ثورة 1919 الجارف، وشارك في أعمال المقاومة السرية ضد الاحتلال وخطط لمحاولة اغتيال «محمد سعيد باشا» رئيس الوزراء، لأنه قبل أن يشكل الوزارة على الرغم من أن زعيم الثورة «سعد زغلول باشا» -الذي كان قد غادر منفاه في جزيرة مالطة إلى أوروبا ليطالب بانهاء الحماية- كان قد دعا السياسيين المصريين إلى الامتناع عن تشكيل أي وزارة، لإجبار الحكومة البريطانية على التفاوض مع «الوفد» باعتباره الممثل الشرعي والوحيد للشعب المصري. وفشلت المحاولة وقبضت الشرطة على من قام بها، واعترف بأن الذي حرضه عليها هو «محمد شكري الكرداوي أفندي» وما أن عرف «الكرداوي» بذلك مصادفة حتى قرر الاختفاء فصدر الحكم عليه غيابيا بالسجن لمدة 15 عاما، وظل هاربا لمدة 55 شهرا، إلى أن شكل «سعد زغلول» الحكومة عام 1924، واستصدر مرسوما بالعفو عن الجرائم السياسية فعاد «الكرداوي أفندي» للظهور وكتب مذكراته عن شهور الاختفاء. وكانت المشكلة تكمن في أن الشرطة وزعت صوره على كل أقسامها، وأعلنت عن جائزة قدرها 500 جنيه، لمن يدلي بمعلومات تؤدي للقبض عليه وهو ما جعله يقطع صلته بأسرته ومعارفه، تقديرا منه بأنهم سيكونون تحت المراقبة، ويغير زيه الافرنجي إلى زي أزهري، ويطلق لحيته وكان من حسن حظه أنه كان قد باع منزلا يملكه قبل قيامه بالإشراف على تنفيذ محاولة الاغتيال، وأخذ معه من ثمنه مائتي جنيه، لكي يبرر بها وجوده في الإسكندرية عند التنفيذ بدعوى أنه جاء ليشتري بضائع لتجارته، فلم يواجه مشكلة مادية، خاصة أن الظروف اضطرته للبحث عن مسكن ملائم للاختفاء فاستأجر بيتا في حارة شعبية ضيقة وغير نافذة، لا تضم غيره سوى أربعة بيوت، وأشاع عن نفسه أنه هجر أسرته الثرية بالفيوم بسبب خلاف مع زوجة أبيه وأنه جاء إلى القاهرة لكي يستعد لامتحان شهادة العالمية في الأزهر. لكن هذه الشائعات لم تشبع فضول أهل الحارة الذين لاحظوا أنه لا يغادر منزله وبدؤوا يتساءلون عن مبرر ذلك مما اضطره للتفكير في انتحال مهنة تتطلب البقاء في المنزل طول النهار.. ولأن أهل الحارة كانوا يلجؤون إليه ليقرأ لهم ما يرد إليهم من خطابات من أبنائهم الذين كانوا يخدمون في الخطوط الخلفية لجيوش الحلفاء، ويكتب لهم ردودهم عليها وهي ردود كانوا يرفقون بها أحجبة وتمائم للوقاية من الخطر ولم الشمل، فقد استلهم منهم الفكرة وقرر أن يدعي أنه شيخ يكتب التمائم الشافية للأمراض والجالبة للأرزاق، ويستحضر الأرواح.. فاشترى فحما وبخورا وسبحا طويلة، وبعد عدة أيام كانت رائحة البخور المنطلقة من منزله سيدة جاءته تطلب إليه أن يقرأ لها «عدية ياسين» ليعيد لها زوجها الذي طلقها ويفكر في الزواج من أخرى. ومع أنه لم يكن يعرف شيئا من عدية ياسين، إلا أنه استطاع بذكاء أن يستدرج المرأة، ليعرف منها كل شيء عن هذه «العدية» كما استطاع أن يعرف من غيرها معظم المصطلحات التي يستخدمها الدجالون في صناعتهم، وتدفع العوام وخاصة النساء إلى تصديقهم، وبالمصادفة المحضة أعاد الرجل مطلقته إلى عصمته بعد عدة أسابيع قرأ خلالها الشيخ «عدية ياسين» في منزله مرة، وفي منزلها مرة أخرى فأشاعت الأمر في الحارة وتقاطر الزبائن عليه كالمطر! وهكذا أتيحت للمناضل الوطني الذي يطارده البوليس السياسي فرصة نادرة لتأمل هذا الجانب من سيكولوجية العوام في مصر وخاصة نساء الطبقات الشعبية والفقيرة ولاكتشاف مساحة الخرافات التي تعشش في عقولهم وتسيطر على سلوكهم والوسائل التي يستخدمها الدجالون لإيهامهم بقدرتهم على تسخير الجان وحل ما يواجههم من مشكلات وتحقيق ما يطمحون إليه من آمال وهو ما دفعه لكي يفرد فصولا كاملة ومطولة من مذكراته لرصد الظاهرة وتحليلها من النواحي الاجتماعية والنفسية. ومع أن الظروف تقلبت بصاحب المذكرات، خلال ما يقرب من خمس سنوات قضاها رهن الاختفاء فتزوج وهو هارب وأنجب ابنه وطلق زوجته ثم اضطر للهرب من القاهرة بعد أن كاد أمره ينكشف، ليذهب إلى أسيوط ليختفي فيها ويغير اسمه ومهنته ويعمل ممرضا في المستشفى الأميري، إلا أن الفصول التي كتبها عن الفترة التي عمل بها دجالا، تظل أكثر أهمية وتشويقا من تلك التي تتصل بالجانب السياسي من المذكرات، ليس فقط لما تتسم به من عمق في رصد وتحليل الظاهرة، أو لأن المصريين وغيرهم من العرب، لايزالون يقعون بين براثن هؤلاء الدجالين بنفس الطريقة التي كانوا يصطادون بها أجدادهم منذ قرن من الزمن، بل كذلك لأن هناك مئات من مذكرات المناضلين السياسيين، بينما لا توجد مذكرات لدجال واحد، سوى الفصول التي كتبها «الكرداوي أفندي» وقد تقول إنه لا فرق بين مذكرات الساسة ومذكرات الدجالين.. وهي وجهة نظر تستحق المناقشة.. على ضوء ما يجري في الوطن العربي هذه الأيام.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها