النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

دليل المواطنة البلهاء:

الموت الرحيم أو الذهاب إلى السعادة الأبدية!

رابط مختصر
العدد 8843 الأربعاء 26 يونيو 2013 الموافق 17 شعبان 1434

قد تكون «البلاهة»، «وهي عكس النباهة» طريقا للسعادة الأبدية، وبهذا المعنى قد تكون ميزة يتوجب ان ينشدها من ينشد «الموت الثقافي الرحيم»: لا أسئلة موجعة ولا «عوار دماغ» مثلما يقول عامة الناس، لا فلسفة ولا تفلسف، الأخذ بالأمور كما تأتي وتذهب، وقد يقود ذلك إلى طريق البهجة المنشودة!! .. ولكن ليس من السهل أن تكون أبلها وبالتالي ان تستمع بالبهجة «التي شرطها البلاهة»، ومن هنا قد تأتي الحاجة إلى وضع دليل للبلاهة.. وهذا قد يطرح سؤالا مهما، مثل: كيف تكون مواطنا أبلها؟ سؤال قد يكون الجواب عنه على النحو التالي: - المواطنة البلهاء هي ان تعلن انك لا ترى، لا تسمع، لا تتكلم، ثم تختفي في غرفة مغلقة مظلمة في البيت لمشاهدة المسلسلات المكسيكية والتركية والمباريات الرياضية عبر العالم، بحيث تمارس الموت الثقافي الرحيم أو موت الوعي السري اليومي بهدوء وبعيدا عن سؤال اللحظة وبعيدا عن أوجاع السؤال اليومي... طريقة البلاهة إذن تبدأ من الاتجاه إلى الموت الثقافي الرحيم هو اقرب إلى الموت البطيء الهادئ بعيدا عن شغل البال بالهموم الفردية أو الجماعية، بل ربما يكون اقرب الى محو كل ما هو مؤلم من الذاكرة، بما في ذلك التاريخ العربي الحديث والمعاصر المليء بالهزائم.. وبعيدا عما يحدث خارج النافذة. الموت الثقافي الرحيم قد يكون في الهجرة بعيدا عن أي نوع من النشاط الإبداعي أو الثقافي، بما في ذلك حضور ندوات الثرثرة الثقافية، والمعارض التشكيلية المبهرجة بالالوان، والحفلات الموسيقية الراقصة والمنومة معا وفعاليات ربيع الثقافة.. الموت الثقافي الرحيم يمكن ان يتخذ شكل الاندفاع الجنوني وراء الهوس الرياضي المحموم، ضمن سلسلة متصلة من المسابقات والمباريات عبر العالم تذكر برحلات جلغر او السندباد البحري... او اللهاث وراء سخافات ستار أكاديمي وعبث الفضائيات العربية التي تدرب المشاهد على الغيبوبة ومقررات البلاهة العامة والخاصة وبناء قيم البلادة والتبلد والركاكة القيمية والجمالية والمعرفية... وفي ظل الموت الثقافي الرحيم لن يكون بوسع المتلقي ان يدلي بدلوه في أي موضوع أو ان يتلمس الطريق إلى طرح الأسئلة الموجعة او البحث عن أجوبتها في قاموس الفكر والسياسة والوعي بأزمتنا الحضارية، ولن يكون في وسعه مقاومة النسيان والتغييب وإعادة بناء الذاكرة، كي يستقيم الموقف ويبطل الخلل، أو كسر الأغلال عبر أدوات المعرفة بغرض الوصول إلى الحرية. ولن يكون بوسعه أبدا أن يدلي بصوته المحجوز أصلا لضروب المرجعيات الدينية المقدسة، لان الفاعل الرئيسي في هكذا عملية هو العقل، والعقل في هذه الحالة غائب مغيب، مغيب في حالة صيانة قد تطول، حيث تتم تربيته على ان يكون سلبيا لا حول له ولا قوة، بما يؤهل صاحبه ليكون مواطنا أبلها يقبل ما يعرض عليه ويصدق جميع ما يقال له، لا يناقش، لا يجادل، أمر التفكير عنه موكول لغيره، وبذلك يكون قادرا على تقبل جميع ما يهز كيانه الثقافي والإنساني والروحي.. رحم الله زمانا كان فيه المثقف بالمرصاد لمن يعبث بالهوامش من حياة الفكر والابداع وحركة تطور المجتمع رصدا وتحليلا وتفكيرا، أما اليوم فإن الباب بات مشرعا على مصراعيه للعبث بالثوابت دون مقاومة او مناقشة، او للرقص على سلم الأيديولوجيا البائدة أو بيع الفكر بالوزن والمكيال والمثقال.. وفي حالة الموت الثقافي غير الرحيم - لمن أراد ان يفهم الأمور بأضدادها- نورد مثالا واحدا من القرن الرابع للهجرة، حينما قام كاتب ومفكر ومبدع عربي كبير هو أبوحيان التوحيدي صاحب كتاب الامتاع والمؤانسة بحرق جميع كتبه جملة وتفصيلا، وهي تزيد عن أربعين كتابا، في لحظة الشعور بالغضب والخذلان، تعبيرا عن حالة الألم واليأس والإحباط من المجتمع الذي لا يعبأ بالثقافة وبأهل الثقافة، فعندما لامه أحد الأصدقاء على هذه الفعلة العدمية، رد عليه بقوله: «اعلم أن هذه الكتب قد حوت من أصناف العلم، سِرَّه وعلانيته، فأما ما كان سراً فلم أجد له من يتحلى بحقيقته راغباً، وأما ما كان علانية فلم أصب من يحرص عليه طالباً، ومما شحذ العزم على ذلك، ورفع الحجاب عنه أني فقدت ولداً نجيباً، وصديقاً حبيباً، وصاحباً قريباً، وتابعاً أديباً، ورئيساً منيباً، فشق عليَّ أن أدعها لقوم يتلاعبون بها، ويدنسون عرضي إذا نظروا فيها، ويشمتون بسهوي وغلطي إذا تصفحوها، ويتراءون نقصي وعيبي من أجلها».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها