النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

وحدها الأرض تدور: التخلف عندما ينمو..!!

رابط مختصر
العدد 8841 الإثنين 24 يونيو 2013 الموافق 15 شعبان 1434

نشأت – مثل الكثيرين من أبناء جيلي ـ في أسرة لا ينطق كبارها إلا بألفاظ «الممنوع» و «الحرام»، طفلا يضربونه على يده كلما أراد لمس شيء موضوع على مائدة تنزل عليه الضربات كلما لمس حدوداً لا يراها ولم يساهم في رسمها، فيدور إلى الجانب الثاني من الطاولة، فإذا نفس الصوت يلحقه.. هذه أيضاً حدود محرمة.. وعندما يكبرالطفل ويدخل المدارس ثم الجامعات، ومن باب الصدفة فحسب- يجد ذلك الصوت في انتظاره يلاحقه بلا هوادة، ولكنه كان باستمرار كالفراشة التي تعود إلى النار التي تحرقها.. وعندما ينتقل الطفل الكبير بعد ذلك إلى عالم العمل، يدرك أن تلك الحدود تضيق ولا تزيد أبداً، فالمسموح به هذا العام، قد يصبح في العام القادم خط نار جديد..وعليه في هذه الحالة إما أن يقاتل فيكون في الغالب مقتولا، وإما أن يختار منذ البداية «السلامة» فيكون مقتولا معنويا!! تلك تقريبا خلاصة الخريطة التي يمر بها الطفل العربي في مسيرته نحو التحرر وبناء الكيان، أو نحو الانسحاق والموت الرحيم. المشكلة بالنسبة إلينا أننا أمة تدور وتتقدم إلى الامام، فإذا كانت الشعوب الحية تعيش على وقع الأفكار الجديدة منذ خمسة قرون على الأقل، وإذا كان هؤلاء قد حققوا فتوحات ، فلأنه انقرض من بينها كل فم مكمم، وكل حاجب مرتفع، ومحاكم التفتيش عندهم صارت من تاريخ عصور الانحطاط، لكن مازال حرق الكتب عندنا طقساً من الطقوس العربية المهمة، ومازالت أصوات قادمة من عصور الظلام تطالب بحرق كتب كثيرة وتكميم الأفواه المستنيرة، والاكتفاء بالتكرارية المملة، ولذلك فإن الإضافات النوعية التي تحصل عندنا على مدار المائة عام تقاس بالمليمتر بالمقارنة بما يحدث عند الشعوب المتقدمة. نحن على الارجح واقع لا يتحرك إلا قليلا، وإذا تحرك فلا يكون في الغالب إلا إلى الوراء، فحتى الثورات لم تذهب بنا إلى الامام وإنما أعادتنا فكرا وممارسة وخيارات إلى الخلف،.. ويمكن أن تذهب حيثما تريد في بلاد العرب وتبقى ما تشاء من وقت، وتعود بعد ذلك فستجد انك في غير حاجة إلى قطع ورقة من الرزنامة، وأن اليوم القديم توأم لليوم الجديد، وأن دوران الأرض حول الشمس وحول نفسها هو وحده الذي ينقل الناس عندنا من الليل إلى النهار، من فصل إلى آخر، ومن عام إلى عام.. الوطن العربي الكبير الذي فتحنا فيه أعيننا أول مرة، وجدناه سائراً في طريق النمو، كبرنا فيه وبدأ الهرم يصيبنا، مازال سائراً في نفس الطريق في أفضل توصيف «الباحث والمفكر العربي سمير أمين يقول إن التخلف وحده ينمو».. ولدنا فوجدنا الوطن العربي ـ مستدينا وكبرنا وهو كذلك.. ولا تنفع ديون الأمس ولا ديون اليوم والغد والناس الذين ولدنا ووجدناهم يستهلكون ويستوردون ولا يصنعون حتى القلم الذي نكتب به، مرت علينا الآن نصف قرن من الزمان، ومازلنا نراهم يفعلون نفس الشيء، والزارعة التي علمونا في مقاعد الابتدائي أنها الأصل بالنسبة لاستقلال الشعوب وحياتها، كبرنا و مازال قوتنا العربي رهن نشرة الأحوال الجوية، ودقيقنا مستورد مع حليب الأطفال من الخارج، ومواطن الزراعة في بلاد العرب هي نفسها من عهد الرومان والفينيقيين والفراعنة والآشوريين، بل ربما منذ نهاية العصر الجليدي الأول، هذا في أفضل الأحوال، لأن التصحر وبناء وزحف الاسمنت المسلح قد قضى على مساحات واسعة من الزراعة البدائية التي ورثناها من العهود الغابرة. الأدب المتملق المتسلق الذي شاهدناه منذ كنا نتهجى الأبجدية تهريجا ولا نهتم به ولا يهتم بنا، كبرنا وكبرت عقولنا وتعلمنا القراءة والكتابة، ومازال نفس الأدعياء والكتاب يطلقون علينا نفس النعوت، والمصطلحات الركيكة ونفس القوالب المنقرضة، ونفس تعابير التسول والتقرب والتقديس، التي كانت رائجة في العصور الوسطى. قبل أربعين عاما كنا نتصور أن هذا الوطن الكبير سيصبح بعد عشرين سنة وطنا واحدا، كالولايات المتحدة الأمريكية، أو على الأقل كفرنسا أو حتى كالنمسا أو هولندا، وكنت أتصور أنه في زمن غير بعيد ستصبح أراضي السودان كافية لتغطية حاجات العرب الغذائية، وأن مصر ستكون أكبر إقليم للصناعات الحربية، وأن بلاد الشام سيكون أكبر إقليم منتج للسيارات، وأن إقليمنا الخليجي سيصبح أضخم إقليم ينتج الكومبيوتر وأجهزة التلفزيون، وأن المغرب العربي سيكون قادراً على تغطية حاجاتنا من الملابس والغسالات والكتب المدرسية، وأن فلسطين العائدة إلينا ستكون أكبر منتج للعطور والشعر والموسيقى والأفلام، ولكن كبرنا وكبرت الدمعة في عيوننا، والغصة في القلب وشاهدنا مواكب الذل والتقهقر تتوالد موكبا وراء موكب..إلى ما لانهاية، والأيام تمر وكذلك الأعوام كشريط الكاسيت، وعندما نصل إلى آخر الشريط نجد أن الشريط واقف، والجهاز معطوب، والكهرباء لم تصل بعد إلى نصف القرى العربية، وأن الذل وحده قد نما والفقر قد اتسعت مساحته والفكر تقهقر والغوغائية وحدها تتوسع. جملة مفيدة ليس صحيحا انه لا شيء يتغير،في هذا الوطن الكبير، فالوطن العربي أصبح يسمى الشرق الأوسط الكبير، وأحيانا الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.. والسودان انقسم بالفعل والعراق أصبح دولة فاشلة مهيأة للتقسيم والدولة السورية في الطريق إلى التقسيم الطائفي لمصلحة الأمريكان وإسرائيل!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها