النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11203 الأربعاء 11 ديسمبر 2019 الموافق 14 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

فشل المتحاورون ولو نجحوا

رابط مختصر
العدد 8840 الأحد 23 يونيو 2013 الموافق 14 شعبان 1434

اكتظت وسائل الإعلام بما يقود إلى الاستنتاج بـ «فشل حوار التوافق الوطني» البحريني. وإلى جانب تحليلات المتابعين من خارج حلبة الحوار، كانت هناك تصريحات المشاركين فيه، التي زخرت بها تلك الوسائل، والتي غلب عليها تقاذف المشاركين فيه بكرات اتهام بعضهم البعض بمسؤولية ذلك الفشل. كل فريق يتنصل من المسؤولية، ويلقي باللوم على الفريق الآخر، مبرزا «عدم جدية « ذلك الفريق الآخر، أو منوها إلى عدم توقفه عن «وضع العصي في دولاب طاولة الحوار»، أو «تلاعبه بعامل الزمن» اعتقادا منه أن تأجيل النتائج يعمل في صالحه ... إلخ من «الملاسنات» التي كان الهدف الواضح منها تبرئة ذمة «الأنا» من جانب، وإلصاق التهمة بالطرف «الآخر « من جهة ثانية. لكنا إذا أخذنا باجماع المشاركين قبل المتابعين على فشل الحوار كمقياس يؤكد ذلك الفشل، تبقى علامة الاستفهام منتصبة حائرة: على من تقع مسؤولية هذا الفشل، طالما وافق الجميع على أنها أصبحت واضحة وضوح الشمس في كبد السماء؟ هنا ينطبق القول «فشل المتحاورون ولو نجحوا»، تماما كما جاء في القول المتداول «كذب المنجمون ولو صدقوا». فمثلما لا يعني تطابق حادثة معينة مع تكهنات المنجمين صدق أولئك المنجمين، لن يعني خروج الحوار ببعض الاتفاقات الشكلية، بل والهامشية تحقيقه النجاح المتوقع منه. وطالما أن النجاح أو الفشل يقاس بالنتائج وليس بالنوايا، هذا كي لا نسمح لأنفسنا بالطعن في صدق نوايا أي من المتحاورين، فبوسعنا القول إن مسؤولية فشل الحوار تقع على الأطراف كافة، بل على الأفراد جميعا دون استثناء لأي منهم. ما يمنح المتابع الثقة في الخروج بمثل هذا الاستنتاج يقوم على معايير رسختها التجربة الإنسانية عند الحكم على أية ظاهرة يمارسها ذلك الإنسان، فردا كان ذلك الممارس أم جماعة. فالحكم على أية ظاهرة يخضع لقوانين الزمان والمكان أولا، وللأهداف المتوخاة من ورائها ثانيا وليس أخيرا. ولتقريب الفكرة من ذهن القارئ، نأخذ الامتحانات المدرسية أو الجامعية نموذجا. فمقياس النجاح في تلك المؤسسات رهن بالمكان أي مدرسة أو جامعة معينة، والزمان، أي الفترة المحدد لإنجاز المرحلة المعينة، والأهداف، وهي القدرة على اكتساب المهارات أو الخبرات المطلوبة من المواد المقرر انجازها. فنجاح التلميذ أو الطالب في تحقيق النجاح في فترة أطول من تلك المقررة لا يعني نجاحه إطلاقا، فهو أهدر وقتا أطول من ذلك الذي أجمعت عليه نتائج التجربة الإنسانية، كما أن نيله شهادة مدرسة أو جامعة أخرى، يؤكد فشله في اجتياز متطلبات نجاح تلك الجامعة دون غيرها. فهذه الأخيرة ربما تكون متطلبات النجاح فيها أكثر سهولة ويسرا، من الأولى التي عجز عن اجتياز امتحاناتها. والأمر ينطبق على الأهداف التي تضعها جامعة ما من أجل اجتياز امتحاناتها. على نفس المنوال يمكننا القياس. فنجاح المتحاورين في التوصل إلى بعض الاتفاقات في فترة زمنية أطول من تلك التي يقبلها العقل والمنطق تعني فشل المتحاورين في انجاز مهمة معينة في فترة زمنية محددة يراد لها أن تعكس نجاحهم في بلوغ الأهداف المتوخى تحقيقها. كما أن اتفاقهم على بعض القضايا الثانوية الهامشية، دون اجماعهم على تلك الأساسية والمصيرية، هو دليل آخر على الفشل، وليس النجاح. كما أن انتقالهم من الغرفة التي تحلقوا حول طاولتها إلى مكان آخر، في البحرين أو خارجها، هو الآخر يعني فشلهم الذريع. نخرج من ذلك إلى أن المتحاورين، جميعهم دون أي استثناء هم من يقفون اليوم وراء الفشل، بدلا من، وكما يريد لهم المواطن البحريني، أن ينعموا بنجاحه. لكن، كيف في وسع المراقب أن يوجه هذه التهمة للمشاركين في الحوار، وليس بينهم من لا يدعي أنه أتى للحوار بأصدق النوايا من أجل إنجاحه. هنا لا يستقيم المنطق، ويفشل القياس، إلا في حالة واحدة فقط وهي أن الجميع يبطنون خلاف ما يظهرون، وأن لكل فريق منهم «أجندته» الخاصة به التي «تتناقض»، ومن ثم فليس في وسعها أن «تتوافق» مع الطرف الآخر. ولكيلا يتهم أي مراقب فريقا دون الآخر، ربما يكون من المفيد الإشارة إلى بعض القضايا التي ربما تبدو هامشية لكنها في صلب أي مشروع توافقي يدعي، كما يكرر المشاركون في الحوار، «أن مصلحة المواطن العادي، بعيدا عن انتمائه الطائفي، هي التي ترد في أعلى درجات سلم الأولويات». يمكن لذلك المراقب أن يزود المتحاورين، إن هم شاءوا الخروج بتوافق جدي ينتشل البلاد من أزمتها، بقائمة طويلة من تلك المصالح التي تمس حياة ذلك المواطن، الذي لا يملك إلا أن يقف منتظرا، وربما متسائلا، وفي كلمات بسيطة غير معقدة: متى يتصدق علي المتحاورون بنعمة التوافق على قضايا تمس حياتي اليومية، بدلا من الإغراق في مهاترات بيزنطية، ربما تخدم أهدافا أخرى، لكنها، وبكل تأكيد بعيدا عن تلك القضايا التي أتحدث عنها؟ وما لم يستجب المتحاورون لنداء ذلك المواطن، ويردوا بصدق ودون أية مخاتلة على ذلك التساؤل البريء والبسيط في آن، تبقى مسؤولية الفشل ملقاة على عاتقهم فردا فردا، ولا يستطيع أي منهم التنصل منها، بإلقائها على الآخر. ويبقى ذلك هو مقياس النجاح، وبخلاف ذلك يصر المواطن على التمسك بقوله «فشل المتحاورون ولو نجحوا»، فهو لا يقبل بالفتات، ولا تزيغ أبصاره لمعان المعادن المزيفة غير الأصيلة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا