النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12141 الثلاثاء 5 يوليو 2022 الموافق 6 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

شـــــرط الضمـــــــير

رابط مختصر
العدد 8838 الجمعة 21 يونيو 2013 الموافق 12 شعبان 1434

في عام 1965 تلقيت خطابا من مجلة «الحرية» البيروتية، تعرض عليّ أن أعمل مراسلا لها بالقاهرة، على أن أستكتب لها عددا من الكتاب المصريين وبعد أيام أرسلت لها ردا، أعلن فيه قبولي للمهمة، على أن يكون مفهوما، أنني لست عضوا في «حركة القوميين العرب» ـ التي تصدر عنها وتنطق باسمها المجلة ـ وبالتالي فلست ملتزما فيما أكتب عن الشؤون المصرية، بالخط السياسي الذي تتبعه الحركة، كما أن الكتاب الذين سأدعوهم للكتابة في المجلة من القاهرة، سيعبرون في مقالاتهم عن آرائهم سواء اتفقت مع توجه المجلة، أو اختلفت.. وأن أساس التعاون بيننا هو الالتزام بأدبيات مهنة الصحافة المتعارف عليها. ولسبب لا أدريه، احتفظت بصورة من هذا الخطاب، وبالرد الذي جاءني من المجلة بالموافقة على ما جاء فيه، وأودعتها ملفا خاصا أضفت إليه فيما بعد صورا من المراسلات المتبادلة بيننا، وكان هذا الملف هو أول ما عثر عليه ضابط مباحث أمن الدولة الذي اقتحم منزلي بعد حوالي عام، وأجرى تفتيشه، بعد أن نشرت لي المجلة ثلاثة مقالات أثارت غضب السلطات المصرية، فساهم الملف بما يحويه من أوراق في تبديد جانب من شكوك أجهزة الأمن، التي كانت تجزم بأن وراء ما كتبت مؤامرة على النظام شاركت فيها عدة أطراف من بينها «حركة القوميين العرب» وأنني كنت حجر الزاوية في تلك المؤامرة. ومع أن الأمور تحسنت نسبيا وبايقاع بطيء في السبعينيات وما بعدها، وخفت القبضة البوليسية على عنق الصحافة، إلا أن مشكلة طبيعة العلاقة بين «التمويل» و«الإدارة» والتحرير» ظلت تطل برأسها من حين لآخر.. حدث في منتصف الثمانينيات أن غيرت جريدة «الشعب» في مصر خطها السياسي، بعد أن غير الحزب الذي يملكها ويصدرها، وهو «حزب العمل الاشتراكي» ـ الذي أسسه «إبراهيم شكري» عام 1979. توجهاته ـ ليتحول من حزب اشتراكي إلي حزب ينتمي إلى تيار الإسلام السياسي، واثار ذلك مشكلة بين الجريدة، وعدد من محرريها، التحقوا للعمل بها، باعتبارهم اشتراكيين يعملون في جريدة اشتراكية فإذا بهم ـ بعد أن غيرت الجريدة توجهها الرئيسي ـ يفقدون مواقعهم الاشرافية على بعض أقسامها، وإذا باخبارهم وتحقيقاتهم ومقالاتهم تمنع من النشر لعدم ملاءمتها للتوجه الجديد. أيامها دعا نقيب الصحفيين «كامل زهيري» إلى تقنين «شرط الضمير» انطلاقا من قاعدة مهنية صحيحة، تقول إنه ليس من حق مالك الصحيفة أن يفرض على الصحفي أن يخالف ضميره، أو يدافع عن اتجاه لا يعتقد أنه يحقق الصالح العام فإذا قرر تغيير توجه الصحيفة التي يملكها إلى توجه يختلف عن التوجه الذي كان قائماً عندما تعاقد مع الصحفي، فمن حق الصحفي الذي يري أن ضميره لا يسمح له بالدفاع عن هذ الخط الجديد، أن يطلب فسخ التعاقد مع الجريدة، من دون أن يمس ذلك حقه في التعويض. وبعد سنوات من النضال، وفي عام 1996 نجح الصحفيون المصريون في إضافة نص إلى قانون الصحافة، يقنن شرط الضمير، ويقضي بأنه «إذا طرأ تغيير جذري على سياسة الصحيفة التي يعمل بها الصحفي أو تغيرت الظروف التي تعاقد في ظلها، جاز للصحفي أن يفسخ تعاقده مع المؤسسة بإرادته المنفردة، بشرط أن يخطر الصحيفة بعزمه على فسخ العقد قبل امتناعه عن عمله بثلاثة أشهر على الأقل.. وذلك دون الإخلال بحق الصحفي في التعويض. ولم يحل هذا النص، مشكلة شرط الضمير لأن العقود التي كانت ولا تزال تبرمها الصحف المصرية، مع الصحفيين لا تتضمن إشارة إلى اتفاق الطرفين على الخط السياسي الذي سوف تتبعه الصحيفة، إذ ان هذا الخط يرتبط عادة بالحزب الذي تصدر عنه في حالة الصحف الحزبية، أو بتوجهات المالك أو رئيس التحرير إذا كان لأحدهما توجهات سياسية معروفة ومعلنة في حالة الصحف الخاصة، أما الصحف القومية ـ التي تملكها وتوجهها الحكومة ـ فهي «صحف تعبئة» تغير توجهاتها السياسية طبقا لتغير الحكومات ـ وبالتالي فليس من حق العاملين بها من الصحفيين، أن يتمسكوا بشرط الضمير، لأنهم ملزمون بأن يدافعوا عن كل الحكومات وكل السياسات، وإلا فقدوا عملهم. وربما لهذا السبب تبدو المبادرة التي أعلنتها جريدة «اليوم السابع» القاهرية، وموقعها الاليكتروني، في الأسبوع الماضي خطوة مهمة في هذا السبيل، إذ هي مبادرة تسعى لحل إشكالية العلاقة بين «التمويل» و«الإدارة» و«التحرير» في المؤسسة الصحفية، من خلال التوصل إلى اتفاق بين حملة الأسهم الرئيسية للجريدة ، ـ وهما رجلا الأعمال «أحمد أبوهشيمة» و«علاء الكحكي» ـ وبين رئيس تحريرها «خالد صلاح» على الأسس التي تقوم عليها العلاقة بين الطرفين: فالتحرير يلتزم بالقيم المهنية المتعارف عليها، من حيث نقل الخبر كما هو والتوازن بين حرية التعبير عن الرأي ونشر المعلومات والمسؤولية الاجتماعية للصحافة، والتعدد والتنوع في الآراء، والتنزه عن أي أهداف سياسية أو دعائية أو تجارية أو مصالح خاصة غير مصلحة القراء والمصالح العامة، واحترام الحق في الخصوصية.. الخ. ويلتزم حملة الأسهم الرئيسيين بفصل «الملكية» عن «الإدارة» وفصل «الإدارة» عن «التحرير»، بحيث تتمتع الصحيفة بحرية كاملة، واستقلال تام في سياستها التحريرية وفي مسارها المهني والتنفيذي عن أي دور أو تأثير للمصالح الخاصة لحملة الأسهم الرئيسيين الحاليين أو في المستقبل.. ويكون دورهم هو إدارة الصحيفة من الناحية الاستثمارية دون غيرهم والعمل علي تطوير الصحيفة وامكاناتها وقدراتها ومواردها، ويكون لجهازها التحريري حريته وفق ميثاق الشرف الصحفي، وأن تكون سلطات الإدارة الرقابية مخولة لمجلس التحرير ولنقابة الصحفيين وحدهما. والاتفاق الذي وقع عليه نقيب الصحفيين كطرف ثالث وضامن هو الأول من نوعه في تاريخ الصحافة العربية، وهو بداية مهمة توقف الخلط والتداخل بين «التمويل» و«الإدارة» و«التحرير» ـ في الصحف العربية تطمئن الهواجس التي يخشى أصحابها من أن تفلت الصحافة من سيطرة الحكومات لتقع بين براثن أصحاب ركؤوس الأموال، وتفتح الباب أمام الصحفيين، لكي يواصلوا السعي لتحقيق هدفهم في أن تتضمن عقودهم مع الصحف شروطا ملينة، تحفظ لهم الحق في حرية الضمير إذ بدون ذلك لا تستكمل الصحافة حريتها ولا تحقق استقلالها. والطريق الذي طوله ألف ميل يبدأ بخطوة واحدة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها