النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

في فن الركاكة: التسكع على أرصفة الكلمات!

مطارحات

رابط مختصر
العدد 8836 الأربعاء 19 يونيو 2013 الموافق 10 شعبان 1434

في ظل فوضى الكتابة وتكالب الأدعياء على أبوابها، أصبح أسهل انجاز يمكن ان تحققه في هكذا مناخ هو أن تصبح «كاتبا عموميا»، حتى أصبحت الساحة الإعلامية، تعج بالدخلاء كعرض من أعراض مرض يصيب المجتمعات في لحظات التأزم، تماما مثلما تصيب الأمراض البشر في لحظات الوهن والمرض.. تلك سمة واحدة من سمات إشكاليات مركبة ترتبط بالمجتمع وتنعكس على الإعلام، مثلما تنعكس على مختلف مجالات النشاط المجتمعي، ضعف الأداء، والوقوع تحت طغيان نزعة العمى، وهما آفتان إذا حلتا بمجتمع حطت من قيمته ومكانته وبعثرت رصيده، وجعلته هزواً، فضعف الأداء ليس في حاجة إلى بيان، فهو الظاهرة المشاهدة بالعيان: نفس الوجوه الهزيلة، نفس الأسماء والركاكات والسخافات تصيبنا بالغثيان يوميا، تنشر على وجوهنا الاعتقاد بان الإعلام شاعر جاهلي يصرخ في البرية لاستنهاض الحمية في معارك الثار الغوغائية، مجرد كلمة رنانة وظلال باهتة من الفقر الفكري تحيل إلى العصر الحجري.ضعف الأداء وتكالب السخفاء تكوينا، والفقراء فكرا وموهبة، وراء الهزال الذي نعاني منه، فبات الإعلام مستباحا يخوض فيه الجاهل والعالم، وضعف الأداء- أخيرا - ارتجالية مؤسسة على البلادة، وضعف التخيل، وغلبة الخلط والخبط والهبش وهزال القوالب، فتكون النتيجة الحتمية ظهور الفوضى والغوغائية التي أوجدت فئة من المحسوبين على الإعلام لا يقدر أشطرهم أن يحرر مقالا، أو يجري مقابلة بالمواصفات المهنية، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.. وفي هكذا سياق يمكن ان نميز بين ثلاثة أصناف من الكتاب على صعيد الوعي والهدف من الكتابة: كتاب يكتبون للوطن ومن أجله. وكتاب يكتبون لذواتهم الفردية أو الحزبية أو الطائفية. وكتاب لا يكتبون الا لتحقيق المكاسب والمنافع. وإذا كان الصنف الأول واضحا والثاني مكشوفا تماما لأنهما لا يتخفيان ولا يخافان من الإعلان عن نفسيهما، فإن الصنف الثالث مقلق مرهق وخطر على الجميع: الوطن والحزب والطائفة والناس، لأنه زئبقي، يستعصي عن التصنيف، ولأنه استمرأ اللعب على الحبال وأتقن فنون الأكاذيب والقدرة على الانتقال من موقع إلى آخر كلما دعت المصلحة (مهما كان نوعها)، ولذلك يمكن لهذا الصنف أن يكتب عن الوطنية وهو في موقع الخيانة، وعن الشفافية وهو موقع الشبهة وعن القومية وهو في موقع الانعزال وعن الوحدة وهو في موقع التفتيت، وعن القيم وهو في موقع الفساد وعن الإيمان وهو في موقع الكفر، وقد يلجأ من إلى المديح المجاني المفضوح المكشوف، وقد تزيد جرعة النفاق لديه عن الحد المعقول ليتحول إلى الدجل والاحتيال، في لعبة استدرار العواطف أو استدراج الناس إلى مواقع الهزيمة والخسران، وذلك لان النفاق في أبسط معانيه محاولة مكشوفة للكذب على حساب الكلمة الصادقة المهدورة كرامتها، والبحث باستمرار عما يمكن للوطن أن يقدمه لهم، لا ما يجب أن يقدموا هم له. هؤلاء غالبا ما ينسون أو يتناسون أن الوطن أعظم من أن يكون حفنة تراب، وهو بالتأكيد أعظم من أن يكون كنزاً من المغانم العابرة، وهو أعظم من أن يكون خارطة جغرافية أو كتاب تاريخ، لأنه باختصار كرامة وحرية وبيت وعائلة ومجموعة حقوق وواجبات، وهو بالتالي انتماء وارتواء وقناعة راسخة في العقل والقلب، وبدون ذلك لا يعود الوطن وطناً بل يصبح حفنة من تراب لا تساوي شيئاً ومجموعة ذكريات لا تسد جوعاً أو تروي عطشاً، بل قد يصبح جحيما لا يطاق. ولذلك فإن الوطن في حاجة إلى من يكتب عن «الوطن» بروح الوطن وبمنطق الوطن وبمصلحة الوطن، وبلغة الناس الطيبين الذين يكدحون كل يوم لأجل أن يستمر الوطن في التاريخ. ويحتاج الوطن بالتالي إلى عزل هذه الكائنات المنافقة الكريهة التي تسرق مشاعر الناس وأحلامهم وتتاجر بها، لأنها تحتقرها ولا تحترمها. ويحتاج الوطن إلى الكاتب الذي يسمي الأسماء بأسمائها وكما يمليها عليه الضمير الحي، ينقد عندما يحتاج المقام للنقد، ويثني ويشيد في موقع الإشادة والثناء، وينير العقول والدروب للناس بقول الحقيقة، لا يهادن، لا يتاجر بالعواطف، بالدين أو بالسياسة، الوطن باختصار يحتاج إلى صنف واحد من الكتاب، وهو الصنف الذي يحتضن أشواق الناس وأحلامهم بصدق وتعاطف، ولا يستعرض مفاتنه في حفلات الزار، ولا يرقص حواجبه لهواة التسكع على أرصفة الكلمات الرخيصة. جملة مفيدة: «..هل يستطيع أحدٌ اليوم أن يغشي عينيه عن رؤية فظائع الربيع العربي.. أليست هذه كلمتان فقط دشنتهما قوة الفاعلية الثقافية للناطقين بـ (كلام) المؤسسة الإعلامية الأمريكية الضالعة في صناعة بضع كلمات.. يطلقها بقوة مدمِّرة تفوق قوة الآلة العسكرية التي دمّرت خليجنا ومحيطنا العربيين.. مجرد كلمات(....) اختزلتنا كالدمى، وضللتنا في عمى لا دليل له، دوّت كلمة الربيع بأحلام وآمال لا وصف لضلالها، وأصبحت أمّة بأسرها مغرّرة بوعودها، وتحوّلت كلمة الناطق بلسان المؤسسة الأمريكية إلى هدير الكتروني من الكلام.. وضجيج ثوري تتلقفه مصفوفات الكلام الذي تدربت عليه أحزاب وتنظيمات ران عليها غياب العقل في اللغة أكثر من 80 عاماً.. فنزح تجريبها في بناء الدولة والديمقراطية وسط مفاهيم ضاربة في التخلف والخرافة وغياب العقل..» د.ابراهيم غلوم من «غريزة الكلام»..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها