النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

في العنف البنيوي.. حول منطق «عليّ وعلى أعدائي».!

رابط مختصر
العدد 8834 الإثنين 17 يونيو 2013 الموافق 8 شعبان 1434

دورة العنف المستشري الذي تحول إلى صورة معتادة في مجتمعات تتسم بفشلها التنموي والسياسي تحول على ما يبدو إلى ما يمكن أن نسميه العنف البنيوي «الهيكلي»: بمعنى أن له فكرا يقوده وتمويلا يمده بالموارد اللازمة للعمل عبر الحدود، كما له مؤسسات ورعاة وفقهاء يمدونه بالتبرير والتأويل ويمنحون مقترفيه مفاتيح الجنة، ومن ذلك نسوق 4 نماذج فقط: أولا: العنف المبني على «التغول السياسي للقوى العظمى» وهو المفارق لقيم الحرية وشرعة الحقوق والمبادئ التي كافحت البشرية من اجلها على امتداد القرون الماضية، لأنه لا احد تقريبا يمكنه ان يقبل الرواية الرسمية حول العنف والقتل والتعذيب، في عصر المدنية، لا حجم الوحشية التي يمارسها بعض الجنود ضد أعدائهم إلا في سياق الموقف الثأري الذي أوصل إلى معاملة غير إنسانية للسجناء في سجن أبوغريب، أو فتح النار على النساء والأطفال وسط الحشود في بغداد، ولكن مثل هذه التصرفات ترجع في جذورها التاريخية إلى مفهوم للحياة في المجتمع هو بمثابة نفي لمفهوم المجتمع المدني، فإذا كان هناك عشرة آلاف شخص يسقطون صرعى بالرصاص في الولايات المتحدة سنويا «مقابل عشرات في كندا أو فرنسا على سبيل المثال» فإن ذلك يرسم خطا احمر بين المنطق المدني الإنساني وبين الرغبة العنيدة في حل النزاعات بطرق عنيفة غريزية، وينعكس ذلك المنطق على السياسة الدولية من خلال قتل المدنيين وإسقاط الأنظمة استنادا إلى القول بمساندة الحرية ومرور الديمقراطية. ثانيا: العنف الذي يمكن إرجاعه إلى الاستعمار وأثاره الممتدة، مثل الحالة الفلسطينية بما يستدعي نوعا من التبرير، في سياق ما يعرف في القانون الدولي بحق مقاومة الاحتلال. مثلما يقول الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس: «في ظل الاحتلال الإسرائيلي المزمن فإن عنف الفلسطينيين يأتي في مواجهة عنف الاحتلال الماكر، ولكنه مع ذلك يظل عنفا من الطراز التقليدي يرفع شعار: حياة مقابل حياة، ولذلك فهو تعبير عن اليأس وفقد الأمل». وبالفعل ففي ظل الالتفاف على الحقوق المهدورة منذ أكثر من ستة عقود دون الوصول إلى حل الوسط التاريخي الذي كان الراحل عرفات يسميه «سلام الشجعان» أو حل «دولتين كاملتي السيادة لشعبين» بسبب عدم قدرة المجتمع الإسرائيلي على حسم موضوع السلام والعيش المشترك مع الفلسطينيين، تم خلق حالة من اليأس وعدم الثقة، واليأس يولد الإحباط، والإحباط يولد العنف، ولو بمنطق «عليّ وعلى أعدائي». ثالثا: نموذج عنف الحادي عشر من سبتمبر كمثال آخر يحمل في طياته السمات الأساسية لتمرد عاجز، أو لرد فعل يائس، بمعنى انه موجه ضد عدو يصعب أن يهزم -بمعيار ميزان القوى- ولكنه يستهدف في النتيجة النهائية إثارة مشاعر الصدمة والقلق لدى المواطنين والحكومات. ومن الوجهة الأخلاقية لا يمكن في أي حال من الأحوال تبرير العمل الإرهابي مهما كانت دوافعه، فلا شيء يبرر قتل الأبرياء حتى لو كانت القضية عادلة، ولا يمكن القبول بأي حال على حساب موت الآخرين وعذاباتهم.. رابعا: العنف الناجم عن اختلال ميزان العدالة داخل المجتمعات الغنية الهانئة نسبيا، كتلك المنتمية إلى دول أوروبا الغربية، فهو أيضا عنف بنيوي اعتادت عليه هذه المجتمعات، نتيجة التفاوت الاجتماعي المذل، والتهميش لقطاعات واسعة من هذه المجتمعات.. ولذلك فحتى القوانين المحلية أو الدولية الهادفة إلى ترويض الناس أفرادا وجماعات، للحد من ردود أفعال المهمشين في العالم، يصعب أن تحقق نتائج عملية، حيث إن منطق القوة هو الذي يهيمن والتحالفات والمصالح السياسية هي الفيصل وليست القيم الأخلاقية والسياسية والقانونية، ومنها قيمة العدالة الاجتماعية.. من الوجهة التاريخية فإن العنف البنيوي يبدو واقعا مكرسا، ويندرج ضمن تطور حركة التاريخ، في إطار لعبة العنف والعنف المضاد، أو في إطار الكفاح المسلح أو في إطار البحث عن مصادر جديدة للقوة.. وحتى «العنف» الذي يرتبط بالنضال التحرري في مواجهة الاستعمار، فإنه، وبالرغم من كونه يندرج ضمن أطر تختلف عن العنف العادي «العشوائي الغضبي»، فإنه يظل في النهاية عنفا.. بالرغم من انه يكتسب شرعيته من أوضاع الظلم والاحتلال. المطلوب في النهاية ـ إذا ما أريد لهذا العنف أن يتراجع ـ الحد من النتائج الأكثر تدميرا للإنسانية الإنسان، والأكثر إذلالا له على صعيد العالم، والحد من الإفقار الذي تغرق فيه مناطق وقارات بأكملها بسبب الفوارق المجحفة بين الدول والشعوب، تلك الفوارق المتأتية في الغالب من مصالح الغرب الأساسية والمتمثلة في ضمان تدفق المواد الطبيعية بأسعار رخيصة، وتأمين مصادر الطاقة باي ثمن وبأي طريق، فالهيمنة والعنف والاحتقار والإيذاء المنظم للشعوب يكون دوما طريقا ممهدة للعنف، فإذا لم تتم السيطرة على النزعة الرأسمالية الهمجية المتوحشة في طمعها وعنفها وجشعها، فسيكون من المستحيل التكهن بأفق سلام أبدي، إلا بوقف المشاكل المولدة للحروب والمآسي والعنف البنيوي والعشوائي معا..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها