النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11930 الإثنين 6 ديسمبر 2021 الموافق غرة جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

«الوسادة الخالية».. لوعة الحب الأول

رابط مختصر
العدد 8831 الجمعة 14 يونيو 2013 الموافق 5 شعبان 1434

شاهد جيلنا في سنوات مراهقته العسيرة أفلاما سينمائية كثيرة، عربية وهندية وأمريكية. لكنه لم يتوقف كما توقف عند فيلمين مصريين أجزم أن أحداثهما لا تزال حاضرة وعالقة بأذهان الكثيرين، رغم تقادم الأيام والسنين وتنوع الإهتمامات وإزدحام المخيلة بالصور والمشاهد والتجارب المختلفة. الفيلم الأول الذي أسر جيلنا وإنشغل به هو فيلم «الوسادة الخالية» المأخوذ عن رواية تحمل الإسم نفسه للكاتب «إحسان عبدالقدوس» إبن إحدى أشهر صحفيات مصر في عهدها الذهبي وهي «فاطمة اليوسف» الشهيرة بـ «روز اليوسف» من زواجها بالممثل القدير «محمد عبدالقدوس» الذي ظهر في عدد محدود من أفلام الثلاثينات والاربعينات والخمسينات، متقمصا أدوار الأب الظريف والحنون، أو العجوز المتصابي، مثل أفلام: الوردة البيضاء، ورصاصة في القلب، وأناحرة، وسر طاقية الإخفاء، وصاحبة الملاليم، وليالي الحب. الميزة الأولى لهذا الفيلم، الذي أنتج في عام 1957 وعرض للمرة الأولى في مصر في سينما ريكس بالقاهرة في العام ذاته وعرض في البحرين في العام التالي قبل أن يعرضه تلفزيون أرامكو في عام 1959 كاملا دون حذف (أي خلافا لما كان يفعله حتى ذلك التاريخ مع الأفلام الرومانسية والغنائية) هي انه يجسد على الشاشة قصة الحب الأول ولوعاته في حياة الإنسان ومدى ما يكابده من آلام ومتاعب وصراعات نفسية للوصول إلى محبوبته والإقتران بها في مجتمع لا يعترف بالحب أو على الأقل لا يسمح به علنا. هذا الحب الذي يصفه البعض بحب المراهقة، قائلا أنه سرعان ما يذبل وتنطوي صفحته بمجرد أن يكبر صاحبه ويشق طريقه نحو الحياة العملية ويكوّن أسرته الصغيرة، بل الحب الذي وصفه كاتب الرواية نفسه بـ «الوهم الكبير» حينما قال في مقدمتها: «هناك وهم كبير في حياة كل واحد منا إسمه الحب الأول»، لكني أعتقد جازما أن الحب الأول ليس وهما! فقد ينسى الشخص حبيبته الأولى وربما تنساه هي ايضا إذا ما تفرقت بينهما السبل والظروف، لكنه يظل حقيقة، ويبقى مدفونا في دواخل المرء مهما تقادمت به الأيام والسنون ... يجتره كلما خلد إلى نفسه، وتعاوده ذكرياته وإرهاصاته حتى بعد أن يقترن بأخرى وينجب منها البنين والبنات ويصبح عنده الأحفاد والحفيدات، بل أن طرفي الحب الأول إذا ما صادف أن تقابلا فجأة في مكان ما بعد طول إفتراق فإن كل ذكريات حبهما البريء ستعود دفعة واحدة دون أن يعني ذلك عودة الحب نفسه مرة أخرى. وهذا أكبر دليل على أن أثره كامن ويمكن أن ينفجر في صورة دقة قلب أو إرتباك أو رعشة أو دمعة. أما سبب نفينا لصفة الوهم عن الحب الاول فهو أنه حب زمن المراهقة الذي يمثل لكل انسان مرحلة شبابه وطهره وبراءته وعفويته وأحلامه الوردية. فكم كان صادقا الشاعر الكبير أبوتمام حينما أنشد: نقل فؤداك حيثما شئت من الهوى ماالحـب إلا للحبيب الأول كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينـه أبدا لأول منــزل أما الميزة الأخرى لفيلم «الوسادة الخالية» فهي أنه لم يبالغ ولم يتكلف، فجاء مطابقا لواقع حال السواد الأعظم من المحبين والعشاق في تلك الحقبة الخمسينية. وبكلام آخر لم يلجأ منتج الفيلم «الشركة العربية للسينما»، ومخرجه «صلاح أبوسيف» إلى إختيار فتاة من ذوات الجمال الصارخ، والشعر الذهبي المموج، أوالدلال الزائد والثراء الفاحش، لتلعب دور البطولة وإنما عمدا إلى إختيار فتاة عادية ـ وإن كانت بقوام رشيق وعينان خضروان وجفون ناعسة وصوت مغر هامس ـ مثل «لبنى عبدالعزيز». وبالمثل فهما لم يختارا لأداء دور البطولة أمام الأخيرة شابا رياضي البنية، يتقطر وسامة، وينتسب إلى أسرة ذات حسب ونسب، وإنما وقع إختيارهما على عبدالحليم حافظ، الطالب الجامعي الفقير الذي لا يرتدي طوال الفيلم سوى كنزة واحدة من النوع البسيط فوق بنطال بدا عليه أنه من خياطة دكانين الخياطة الشعبية في «العتبة»، ولا يجد قيمة فطيرة أو تذكرة دخول إلى «جنينة الحيوانات» إلا بالتحايل مع صديقيه في الفيلم أحمد رمزي وعبدالمنعم إبراهيم. أما الفيلم الآخر الذي إنجذب إليه جيلنا وشاهده مرارا وتكرارا من خلال الشاشة الفضية، بل واندمج مع أحداثه إلى حد النواح والتأثر فهو فيلم «أيامنا الحلوة» المأخوذ (الأصح هو المسروق لأن معدي الفيلم لم يشيروا إطلاقا إلى مصدره) عن رواية «البوهيمية» للكاتب الفرنسي «هنري ميرجيه»، والذي أخرجه «حلمي حليم» من إنتاج «شركة الفيلم العربي»، وتم عرضه للمرة الأولى في مصر في سينما ديانا بالقاهرة في السابع من مارس 1955 . والحقيقة أن العنوان الذي أختير للفيلم بعد تمصير أحداثه على يد المبدع «علي الزرقاني» كان موفقا ومنسجما مع صلب موضوع الفيلم وهو تعاون وتكاتف ثلاثة شبان فقراء على السراء والضراء في محاولتهم لاتمام تعليمهم وبلوغ أهدافهم وتحقيق طموحاتهم وسط ظروف اجتماعية صعبة، لكن ضمن بيئة حميمة ودافئة. فهذا كان واقع حال الكثيرين من شباب تلك الحقبة الزمنية من ذوي الإمكانيات المحدودة والطموحات الكبيرة. وبطبيعة الحال، ما كان للفيلم أن ينجح لولا إسباغ شيء من الميلودراما العاطفية عليه من خلال تنافس الأصدقاء الثلاثة (عبدالحليم حافظ وأحمد رمزي وعمر الشريف) على قلب فاتن حمامة، الفتاة اليتيمة التي دفعتها ظروفها المعيشية القاسية إلى إستئجار غرفة متواضعة بجوارهم، إلى أن يظفر الأخير بقلبها ويتزوجها، لكن دون أن يتسبب ذلك في حدوث شرخ في علاقات الزملاء الثلاثة ببعضهم البعض، بل دون أن يؤدي ذلك إلى تخلي حليم ورمزي عن صديقهم الثالث حينما تصاب زوجته بمرض عضال يستلزم علاجه نفقات باهضة. وفي هذا أيضا تجسيد رائع للعلاقات الإنسانية والتكافل والمشاعر الدافئة التي كانت سائدة بين الأصدقاء والجيران في ذلك العصر المتميز ببساطته وحميميته. أحسب أن هذين الفيلمين وما شابههما من أفلام ظهرت فيما بعد لم يجدا طريقهما إلى أفئدتنا وعقولنا إلا لتناولهما للحب البريء الطاهر البعيد عن الأغراض الدنيئة، خصوصا وأن جيل تلك الحقبة كان بطبيعته محبا وعاشقا لكل شيء .. للجمال .. للأناقة .. للموسيقى .. للحياة .. للعلم .. للمجد. فمثلا كل واحد منا تقريبا كان متعلقا ببنت من بنات الجيران او بنات الفريج، أو كان يتوهم أنها تبادله مشاعر الحب بمجرد أن تمنحه إبتسامة طائرة من خلال النوافذ المتقابلة في دواعيس الفرجان الضيقة في المحرق والمنامة، أو تتبادل معه نظرات خجولة أثناء الذهاب إلى المدرسة والعودة منها، أو تهمس له من خلف الجدران الفاصلة ما بين «سطوح» المنازل المتلاصقة. فكان ذلك أسعد ما نمر به من لحظات، ويظل لصيقا بوجداننا طوال الايام والأسابيع التالية، نتخيله ونرويه عشقا وهياما ونبني الآمال العريضة عليه، بل يتوهم كل منا انه حليم وقد عشقته لبنى ، أو فريد وقد كسب قلب إيمان، أوعمر الشريف وقد فاز بفاتن، أو شكري سرحان وقد إستسلمت له ماجدة، أو كمال الشناوي وقد ماتت شادية «في دباديبه» أما أكثر الأوقات التي كانت تراودنا فيها تلك الأحلام والتخيلات الوردية فهو وقت إفتراشنا لـ «سطوح» منازلنا العربية البسيطة في ليالي الصيف الرطبة، وتلحفنا بسماوات صافية مزينة بالأقمار والنجوم المضيئة. هل بإمكان أحد أن يخبرنا أين إختفت تلك النجوم التي كنا نحاول عدها إلى أن نغفو؟ ولماذا لا نرى اليوم سوى سماوات داكنة تغطيها الأدخنة والعوادم السوداء؟ بقي ان نؤكد ان كل واحد من ابناء جيلنا او اغلبهم لم يكن في عشقه وغرامه وهيامه منحرفا او فاجرا او متجاوزا للأعراف والتقاليد الإجتماعية السائدة بوقاحة. فغرامياته كانت سرية يحتفظ بها لنفسه ولا يفصح عنها إلا للثقاة من أقرب المقربين إليه، وتصرفاته كانت خجولة وفي حدود الأدب. وبكلام آخر لم يكن بواحا متفاخرا، أو خادعا يغري الفتيات بمعسول الكلام والوعود والمظاهر الكاذبة مثلما يفعل أبناء الجيل الحالي ـ أو بعضهم كي نكون منصفين ـ ثم ينفض عنهن بمجرد أن تقع عيناه على أخرى أجمل أو أغنى. وأخيرا فإن الرسالة (أو الخط كما كان يسمى قديما) كانت وسيلة الإتصال والإقتراب من المحبوبة لإشعارها بما يدور في الأعماق من وله وعشق، كما أن طريقة إرسال الخط المزين في العادة بالورود والفراشات والمعطرة بالرياحين كانت حذرة وتتم بتأن خوفا من وقوعها في أيد قد تصفع وجهك بـكف «راشدي» لا تنساه مدى الحياة. اليوم، بطبيعة الحال، تغيرت هذه الصور رأسا على عقب، وصارت الرسائل وأصول كتابتها وثقافة التلهف عليها شيئا من الماضي كما أسلفنا في مقال سابق، وحلت مكانها المسجات الطيارة، خصوصا وأن الوسائط متوفرة بأعلى المستويات في أيدي المـُرســِل والمـُرسـَـل إليها، وتقوم بالنيابة عنهما في عمل كل ما يلزم... لكنه عمل ينقصه الدفء وصدق المشاعر. أنصح أبناء الجيل الجديد بمشاهدة الفيلمين من خلال «اليوتيوب» أو قناة «روتانا كلاسيك» الفضائية، فهما ممتعان ومفيدان وبـُذل فيهما جهد كبير رغم ضعف إمكانيات الإنتاج والتصوير والماكياج والمونتاج في خمسينات القرن الماضي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها