النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

كيف تفتح شركة للمقاولة السياسية في يوم واحد؟

رابط مختصر
العدد 8829 الأربعاء 12 يونيو 2013 الموافق 3 شعبان 1434

بالرغم من ان من حق كل طرف سياسي أن يختار لنفسه من الأسماء ما يريد، بل ومن حقه علينا أن نسميه بما يريد من الأسماء، فإنه من حقنا أن نطالبه بأن يكون هنالك تطابق بين الاسم والمسمى، او بين الوعاء والمضمون، ومن حقنا في ذات الوقت أن نبدي الاستغراب من التناقض الداخلي لمثل هذه المسميات(الحزبية او التكتلية) العجيبة والمضحكة،كأن يسمي الرجعي نفسه تقدميا، وان يسمي الفاشي نفسه ديمقراطيا، وكأن يدعو من يضع نفسه موضع المقدس إلى دولة مدنية يحكمها اللاهوت أو أن يطلق حزب طائفي مغلق على نفسه اسما مشتقا من الديمقراطية والحرية والوطنية والمحبة والسلام... أو أن يسمي حزب نفسه حزب القوى القومية الشعبية الوطنية الديمقراطية التقدمية الحرة المناضلة، وهو مؤلف من 7 أنفار من بينهم الأمين العام ومعاونيه وسكرتير حزبه، وهم أنفسهم يشكلون اللجنة المركزية والمؤتمر العام للحزب المهزلة.. يقف المتابع لمثل هذا الملف مندهشا مرتابا من عملية تهرئه الأسماء والعناوين والتلاعب بها، في ظل هذه العودة الإعلامية للرّموز الخارجة عن القانون داخل فضاء حزبي غير واضح ولا تتوانى الأقلام المتسلّلة عبر واجهة حزبية «صديقة» في أن تحدث نوعا من الإرباك بدخولها الى حيّز اللاّمتوقع عبر محاكاة سطحية لمكاسب التحديث. كأن تحتفل باليوم العالمي للمرأة والحال أن دعاة الأصولية المتشددة المنتشرين على مواقع الانترنيت وصلوا الى حد تحريم جلوس المرأة على الكرسي بشبهة الفتنة المؤدية للزنا! ومن السهل جدا ان نستدل على الازدواجية الأصولية في معاقلها التقليدية وحتى في منابرها الاتصالية الجديدة، غير انه من الصّعب أن نستوعب الأسباب التي ألقت بحركة سياسيّة تحمل الشعار الديمقراطي التقدمي الى هذا المنقلب الخطير الذي فقدت معه جزءا غير يسير من شخصيتها الحزبية المخصوصة. قد أفصح هذا التيار عن مخزونه المعادي للتطوّر حتى في أشد نزعاته التظليليّة حبكة مسرحية، أما التيار اليساري الذي يحتضن اليوم الأصولية المتشددة تحالفا أو تبريرا وتأويلا فهو يتصرف من داخل منطقة البرغماتي بشكل يقتل في براغماتيته ذاتها كل دلالة على الربحية، باعتباره قد قفز على شكله ومضمونه ليتحوّل إلى مجرّد مروّج سياسي لمشروع أصولي طائفي مقدس، سوف يؤدي به في النهاية إلى الانتحار السياسي.. ويكفي هنا ان نستعرض الخطاب «الديمقراطي» لهذه الطائفية الجديدة، لنكتشف أنه يرتبط بأشد اللّحظات العدائية المنبثقة من داخل الإعلام الأصولي: الصور، نمط الكتابة، ماضوية الخطاب، الاختباء وراء الشعار التحديثي لتخريب منطقه والانقلاب عليه، الثورية الطافحة التي ينكشف زيفها عند تسرّب رائحة «الفوضى الخلاقة « بما تحمله معها من خلائط مستنسخة تحاول طمس معنى الدّولة الوطنية وتذويب استقلاليتها ووحدتها الوطنية وشرعية نظامها السياسي. وكل ما في الخطب النارية التي تتجاوز الحجم الكمّي والنوعي للإطار السياسي يوحي بمشهد خلفي يحسن الاختباء وراء الواجهة «المدنيّة» للانقضاض لاحقا على مكاسبها، وقد يكون من البديهيّ أن مبدأ الحرية يتيح لكلّ القوى تقديم آرائها بالشكل الحزبي أو الإعلامي الذي يناسبها، لكن يجب أن لا ننسى أن الإعلام الحرّ في حدّ ذاته نبتة تحديثية بلورتها العلمنة وأخصبتها الديمقراطية، وفي هذه الحالة تبدو ثوبا غير مناسب للقوى الرجعية الطائفية التي تمارس عنف المعتقد بما ينتجه من تعبيرات طائفية فاتكة بالنسيج المجتمعي. انها لعبة مقززة لما تحمله من مفارقات وعبث وتحايل على النزاهة والاستقامة السياسية التي يفترض ان تتسم بها أي معارضة جادة تطرح نفسها بديلا عما هو قائم، خصوصا عندما ننظر الى انحطاط القيم الديمقراطية والتقدمية عند التحامها بكل ما هو طائفي ورجعي ولاديمقراطي في سياق البحث عن دور سياسي باي ثمن.. ومن النتائج الطبيعية لمثل هذه الهلوسات وتقلبات المزاج السياسي والفكري في زمن استشراء الطائفية وانتشار الغوغائية على نطاق واسع، أصبح الحديث عن الديمقراطية أشبه بخرافة فوق العادة، ولذلك يأتي الحديث عنها لمجرد تحقيق مآرب ظرفية أو لتغطية الحقائق الملتبسة، وغياب النزعة المبدئية كلعبة مزادات، مضادة لإرساء دولة القانون والمؤسسات، والمساواة في تطبيق هذا القانون والمضادة للحفاظ على المكتسبات الأساسية للوطن، بما فيها المكتسبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فالديمقراطية الحقيقية تعني في النهاية اقتناعا بجدواها ومحتواها وقبولا بمتطلباتها ومقتضياتها، وليس القبول الشكلي بها لتحقيق مكتسبات ظرفية لان الديمقراطية كمشروع متكامل منغرس في الواقع يطرح في جوهره تحديات بالنسبة للجميع وهي تحديات تتجلى في الحاجة إلى تجاوز أشكال المفارقات والازدواجيات المنتشرة عندنا بشكل مرضي، مثل رفض الديمقراطية في الممارسة وقبولها خطابيا بمسميات أخرى، ورفض دخول اللعبة السياسية من أبوابها الشرعية، ومواصلتها وراء الأبواب الخلفية وتحت الأرض وازدواجية في بين الأقوال والأفعال.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها