النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

التذاكي الأمريكي البشع

رابط مختصر
العدد 8828 الثلاثاء 11 يونيو 2013 الموافق 2 شعبان 1434

باستثناء الإطلالة السريعة الخاطفة للرئيس الأمريكي باراك أوباما، حرص الجانب الأمريكي متذاكيا، أن يبقي على مستوى التمثيل البروتوكولي في حدوده الدنيا في المحادثات التي أجراها مع الوفد البحريني برئاسة سمو ولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة. ضرورة التشديد على وصف السلوك الأمريكي بالمتذاكي مصدره الأهمية التي تكتسبها الزيارة من جانب، والمستوى الرفيع الذي يمثله الوفد البحريني الذي يترأسه ولي العهد من جانب آخر، والذي كان يفترض أن يرقى باللقاء إلى مستوى أعلى مما جاء في وسائل الإعلام. كان في وسع الإدارة الأمريكية، لو أنها أرادت أن تضفي على الزيارة الأهمية التي تتطلبها، والأبعاد التي تستحقها، لكانت طبيعة تركيبة الوفد الأمريكي المفاوض مختلفة، ولارتدت المشاركة الرئاسية من طرف أوباما هي الأخرى عباءات أخرى. ربما تحاول بعض الدوائر المحلية والأمريكية أن تبرر هذا السلوك الأمريكي غير اللائق، والذي أقل ما يمكن أن يوصف به من أوصاف هو التذاكي البشع الماكر، مستعينة بالأسباب التالية: 1. حرصها على تمويه أو تبرير الانتهازية السياسية المتذاكية التي أصبحت اليوم ترسم مقاييس الدبلوماسية الخارجية الأمريكية، التي تواصل في الإمساك في العصى من وسطها عندما يتعلق الأمر بالموقف السياسي الأمريكي من الصراع الدائر في البحرين، فهي من جانب لا تكف عن ترديد واجترار عبارات طنانة تحاول من خلالها أن توهم المتابعين لتلك السياسة أنها ترتبط بعلاقات استراتيجية مع نظام الحكم في البحرين إلى درجة تصل إلى استحالة التفريط بها تحت أي مبرر كان. ومن جانب آخر هي لا تكف عبر مؤسسات أمريكية مجتمعية ليست مستقلة في قراراتها، مهما ادعت ذلك، عن رفع عقيرتها مدعية أنها تختلف مع المنامة، من وجهة نظر تلك المنظمات نظرا لعدم تقيد المنامة «بالمعايير الصحيحة لحقوق الإنسان». المهم هنا في الإشارة إلى هذا الموقف المتذاكي الأمريكي، الذي قد يبدو متناقضا في مظهره، لكنه متكاملا في جوهره، ليس إصدار أحكام قطعية على من هو المخطئ على المستوى البحريني، بقدر ما هو تبيان درجة التذاكي الماكر الذي بات يسود تلك السياسة، والذي يؤدي في نهاية المطاف إلى تأليب كل فريق على الآخر، وتبقى هي(واشنطن) ممسكة بالعصى من وسطها كي تميل، في الوقت الذي تحدده هي، نحو من يكون أكثر قربا من سياساتها واشد تلبية لمصالحها الأنانية، التي لن تتوانى، انطلاقا من تلك المصالح الضيقة، عن التضحية بأي من الطرفين عندما تتغير موازين القوى وفقا لاقترابه أو ابتعاده عن تلك المصالح. 2. صغر المساحة التي تحتلها المنامة في خارطة الصراعات العربية القائمة. فالبحرين، من وجهة نظر هؤلاء المبررين، نقطة صغيرة في محيط الصراعات الشرق أوسطية المحتدمة اليوم، والتي تنخرط فيها بشدة وعمق قوى دولية تمتد من بكين، وتعرج على موسكو، قبل أن تتوقف عند باريس، كي تحط رحالها في واشنطن، وأخرى إقليمية، لا تستثني إيران وتركيا، ومعهما إسرائيل، سوية مع الدول العربية الأخرى مثل مصر وسوريا والسعودية. تضيف تلك المصادر أيضا ضآلة حجم الاقتصاد البحريني مقارنة مع شقيقاتها الأخرى مثل السعودية والعراق والكويت، بل وحتى دول صغيرة أخرى مثل قطر والإمارات العربية. ومن ثم فمن الطبيعي، من وجهة نظر هؤلاء، أن يتناسب تمثيل الوفد الأمريكي مع تلك المساحة التي تحتلها البحرين في خارطة تلك الصراعات، والتي يحجمونها كي تقترب من حجم قطرة الماء الصغيرة الساكنة في محيط الشرق الأوسط الشاسع المتلاطم. 3. حساسية الوضع البحريني في المرحلة الحالية وتحاشي الجانب الأمريكي التسرع في معالجته، بسبب تداخل الأوضاع السياسية البحرينية مع الصراعات المبطنة المحتدمة، في منطقة الخليج العربية، ليس أقلها تلك المرتبطة بالسوق النفطية التي لم تعد دول الخليج العربية والفارسية اللاعب الغني الوحيد فيها. إذ تتحدث مصادر موثوقة ذات علاقة بأسواق الطاقة عن اكتشافات مكامن للغاز الطبيعي ضخمة في مناطق بكر مثل سوريا وإسرائيل، بل وحتى جنوب لبنان، هذا بالإضافة إلى تلك المكامن الآسيوية، دون أن ننسى الولايات المتحدة ذاتها، التي يتوقع لها أن تسبح فوق بحيرة نفطية، وأخرى تختزن الغاز الطبيعي، خلال العشرين السنة القادمة. ومن هذه المنطلقات، حرصت واشنطن على الا يتجاوز المستوى البروتوكولي للزيارة ما يمكن أن يثير عواصف غبارية في سماء خارطة العلاقات الأمريكية – الخليجية التي تحاول الولايات المتحدة ابقاءها صافية حتى تتحسن الرؤية عند إعادة رسمها من جديد، ووفق معايير ربما تكون مختلفة وذات طابع مفاجئ للبعض، ربما من المبكر الكشف عنها في هذه المرحلة. رغم كل الأسباب، كان حريا بواشنطن أن تضع البحرين، مهما كانت المبررات التي برأينا واهية ولا تصمد أمام حقائق الواقع الذي يؤهل البحرين أن تحتل المكانة التي تستحقها في خارطة العلاقات الخليجية – الأمريكية. يكفي أن نذكر واشنطن، وبشكل أدق الرئيس أوباما، إن كانت ذاكرة أي منهما ضعيفة، وتعاني من مرض زهايمر مبكر، بأن على أرض البحرين توجد أهم قاعدة أمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وهي تأتي في مقدمة قائمة من المصالح الاستراتيجية الأخرى التي لابد أن تكون حاضرة أمام صناع القرار في البيت الأبيض. وعليه، وإن هي (واشنطن) شاءت أن ترى الأمور بشكل صحيح غير ملتو أن تكف عن التذاكي السياسي والتملق الدبلوماسي، فأي منهما لا يخدم مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. وبالمقابل ربما آن الأوان كي تتحول البحرين من مواقع الدفاع إلى مواقع الهجوم في تلك العلاقة، دون ان يعني ذلك اللجوء إلى التهور أو فقدان التوازن المطلوبين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها