النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

حول تحولات السياسات الأمريكية

رابط مختصر
العدد 8827 الإثنين 10 يونيو 2013 الموافق غرة شعبان 1434

يتساءل العديد من أصدقاء الولايات المتحدة الأمريكية في العالم عن طبيعة التحولات التي بدأت تصيب أمريكا الدولة الأقوى في العالم، حيث تبدو كالعاجزة عن سد الفراغ الذي تركه سقوط الاتحاد السوفيتي بالاعتماد المتزايد على القوة العسكرية في السياسة الخارجية دون نجاح فعلي، وأن نجاحها الأبرز يتمثل في مجال القدرة على بناء الكراهية ضدها في الخارج، بل يبدو أنها أصبحت في مواقفها وتحركاتها أقل ثباتا ووضوحا في تحالفاتها ومواقفها، ويضربون على ذلك عددا من الأمثلة الحية التي تؤشر لهذا التخبط في السياسة الخارجية والأمنية الأمريكية. فانطلاقا من المعادلة الخارجية يفضي تحليل أبعاد هذا التعثر الأمريكي في إعادة ترتيب شؤون العالم إلى الاستنتاج المرجح لدى العديد من الباحثين بأن المسألة تعود إلى حجم الفراغ المدهش الذي خلفه غياب الاتحاد السوفيتي وإلى عدم التوافق في وضع أسس مستقرة لنظام دولي محكوم برؤية جديدة يقبل بها العالم، بما أفضى إلى مفارقة العجز الأمريكي عن لعب دور قيادي رغم امتلاك مختلف أنواع القوة. صحيح أنه لاتزال هنالك دولة عظمى واحدة، إلا ان هذه الدولة رغم تفردها في القوة مازالت تلوك في مرارة، لا تخلو من الادعاء، وهبوط هيمنتها وتأثيرها السحري رغم ازدياد حضورها العسكري، وذلك بسبب فقر في الفكر وعدم امتلاك رؤية ابعد من مغريات جلب المصالح المباشرة والحسابات الضيقة بأي ثمن، ولذلك فإنه في الوقت الذي تتحرك فيه الأساطيل الأمريكية والطائرات بدون طيار دون رادع، يتراجع السحر الأمريكي في أرجاء العالم كله ويزداد حجم الكراهية والعداء لسياستها ومواقفها.. ويكفي في هذا السياق أن نتذكر أن مواقف احد أهم سفراء الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة في الوقت الحاضر يسهم -بقصد أو بغير قصد- في زعزعة معادلات الاستقرار القائمة بالانحياز إلى القوى الرجعية الدائرة في فلك الهيمنة الإيرانية، لنتأكد من حجم الخلل في هذه السياسة الخارجية المضطربة. إن أمريكا الجديدة -بسياساتها الحالية- لا تقود العالم وإنما تهيمن عليه فقط، ولذلك يجب القول ان التاريخ لم ينته كما يزعم السيد فوكوهاما، انه رغم كل الظواهر يتحرك في أماكن أخرى؛ في روسيا، في الهند، في الصين، في أوروبا الجديدة بالتأكيد، وفي أماكن أخرى، وسوف تفاجأ الولايات المتحدة الأمريكية على الأرجح بهكذا تحولات خصوصا بعدما بدأت مؤشراتها تلوح في الأفق. ومن الواضح أن أمريكا لا يمكنها أن تقود العالم لأنها لا تمتلك رؤية للعالم، ومجرد امتلاك القوة العسكرية والمالية والاقتصادية لا يخلق رؤية مطلقا، والمعسكر الليبرالي الأمريكاني يبدو عاجزا عن تحديد المشكلات وعن حلها كما يبدو مصابا بعمى الألوان، في حين وفي كل مكان في العالم تشهد القوى الوسطى، مثل أوروبا واليابان والهند والصين وكندا وغيرها بداية نهوض حقيقي تحاول أمريكا إحباطه او استيعابه دون نجاح كبير، وليس مستبعدا على المدى المتوسط أن تتبادل أوروبا الجديدة المتوسعة ذات الرؤية، المواقع مع أمريكا، وذلك بسبب افتقار هذه الأخيرة للرؤية والقدرة على الاضطلاع بمسؤولياتها بكفاءة وإرادة وعدالة. إن أمريكا الجديدة تعلن الحرب هنا وهناك وتحولت إلى دولة احتلال في أكثر من مكان، وتحتفظ باسوأ أنواع السجون الخارجة عن القانون الإنساني، مما يجعلنا نتساءل: هل أصيبت أمريكا الجديدة بالبلادة؟ إن الإفراط الأمريكي في استخدام القوة العسكرية واعتبارها للمناهضين لهيمنتها على العالم خارجين على القانون، أو مجرد «أشرار»، قد جعل العالم «تقريبا» في واد وأمريكا في واد آخر، خصوصا بعد تخبط سياساتها الخارجية في السنوات الأخيرة. فقد رفضت القوة العظمى المنفردة التوقيع على بروتوكول كيوتو، وامتنعت عن التوقيع على اتفاقية حقوق الطفل ورفضت التوقيع على إنشاء محكمة دولية لمحاكمة مجرمي الحرب لضمان جعل المواطن الأمريكي خارجيا «سوبرمان» ممنوعا من المحاكمة واللمس حتى.. انه منطق يعود بنا إلى ثقافة الغاب والى ما قبل شريعة حمورابي. أمريكا كما تخيلها رجل القانون توماس جيفرسون الجمهوري على طريقة اليونان القديمة تختلف عن أمريكا التي يقودها جورج بوش والسيد رامسفيلد، فحيث أراد جيفرسون خلق أمة مسالمة متميزة عن أوروبا «الغارقة دوما في الحروب»، قامت أمة محاربة وفي منافسة مستعرة مع نفسها ومع عبيدها ومع سكانها الأصليين عبر الإبادة الجماعية الأمريكية المعروفة والمبرمجة لعشرات الملايين من الهنود الحمر، كما قامت امة عدوانية خارج الحدود استهوتها لعبة الهيمنة على العالم وتسييره، أما النموذج الذي حلم به جفرسون فإنه قد نجح في إلهام الأوروبيين من خلال مشروع البناء الأوروبي الراهن أكثر مما أثّر في الولايات المتحدة. إن أمريكا القيادات وأمريكا الجنود في غوانتنامو وفي الفلوجة وفي أفغانستان وفي بوغريب هي الوجه الأكثر فظاعة وبشاعة: لا احترام للإنسان حتى في ميتته الأخيرة، هذه «الأمريكا» لم تعد تلهب العقول والخيال، ولم تعد الحلم والمثال، مع انها كانت كذلك أيام جفرسون.. الولايات المتحدة الأمريكية اليوم تمارس في حق البلدان الأخرى ما كان ينتقده جيفرسون بلا هوادة ويلوم عليه الفرنسيين في عهد نابوليون وبعده: «محاولة فرض مفهومهم الخاص للحرية والديمقراطية على جيرانهم».!! إنها حقيقة مرة، ولكنها تظل حقيقة!!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها