النسخة الورقية
العدد 11029 الخميس 20 يونيو 2019 الموافق 17 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:33PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

الحوار في غرفة الإنعاش السياسية

رابط مختصر
العدد 8826 الأحد 9 يونيو 2013 الموافق 30 رجب 1434

كما تصف بعض المصادر المتخصصة في تشييد المستشفيات، «تقع غرفة الإنعاش قرب صالة العمليات وحجرة التخدير، وتكون بعيدة عن طريق التوزيع الرئيسي لصالة العمليات، ويفضل أن تكون قريبة من مدخل قسم العمليات الموصل إلى عنابر العلاج الجراحي، ويجب ألا تقل المسافة بين كل سريرين عن 1.8م بحيث تكون المساحة المخصصة لكل سرير في غرفة الانعاش 10م. وتفصل غرفة الإنعاش ما بين صالة العمليات وعنابر النوم، يتم فيها إفاقة المريض من التخدير بعد العملية، ويفضل أن يكون كل سرير في غرفة انعاش خاصة محاطة بالزجاج مع إمكانية وجود أكثر من سرير في غرفة الإنعاش». ويضيف بعضها الآخر، متطلبات أخرى تتعلق بدرجة التعقيم، وشروط تتعلق بدخول الزوار، ... إلخ. في اختصار شديد يرسل إلى غرف الإنعاش تلك الفئات من المرضى التي تعاني من حلات متردية، وبحاجة إلى عناية فائقة، تتجاوز في معاييرها تلك التي يتلقاها المريض العادي. نادرة تلك الحالات التي يستعيد فيها المريض عافيته الكاملة بعد خروجه من غرفة الإنعاش، وتتناسب درجة العافية عكسيا مع الفترة الزمنية التي يقضيها ذلك المريض في تلك الغرفة. وكما يبدو، سواء اعترف المشاركون في «حوار التوافق الوطني» أم أنكروا ذلك، فإن حوارهم قد انتقل، وانتقلوا هم معه، إلى غرفة الإنعاش السياسية، وجميعهم في حاجة ماسة إلى عناية قصوى، ليس هناك من بوسعه أن يضمن لهم استعادتهم لعافيتهم السياسية التي كانوا يتمتعون بها قبل جلوسهم إلى طاولة الحوار. تماماً، كما هو الحال مع المرضى المرسلين إلى غرف الإنعاش الصحي، يمكننا القول إن الحوار دخل إلى غرفة الإنعاش السياسية اعتمادا على قراءة عميقة للظواهر التالية: 1. وصول الحوار إلى غيبوبة شبه مستقرة ومستمرة، فمتابعة سريعة لتصريحات المشاركين في الحوار التي أعقبت الجلستين الأخيرتين: الأولى التي لم يتم عقدها، والثانية التي تلتها، تؤكد بأن الجميع قد فقد الثقة في جدوى الحوار، وأصبحوا كمن يضرب رأسه في حائط أصم، آملا في احداث ثغرة، مهما كانت صغيرة وضيقة، في ذلك الحائط. يعزز حالة اليأس المشوبة بالإحباط هذه، تبادل التهم، ووصولها إلى مستوى التشكيك في الوطنية، ناهيك عن طعن كل فريق في جدية الفريق الآخر. لابد من الوقوف هنا عند ما يمكن وصفة بظاهرة الاجترار والمضغ التي بات يستسيغها المشاركون عند حالة الحماس التي تنتابهم حين يمارسون تبادل التهم التي نتحدث عنها، والتي تقترب من حالة الغيبوبة التي تسيطر على بعض من يرسلون إلى غرف الإنعاش في المستشفيات الطبية، وتتحكم في سلوك من يرقدون في نظيرتها السياسية. 2. فقدان الثقة، ومن ثم الأمل في خروج الحوار بنتائج إيجابية مثمرة بوسعها المساهمة، ولو بالنزر اليسير في الجهود، هذا إن وجدت على أرض الواقع، وبالمستوى المطلوب، المبذولة لانتشال البحرين من لجة أمواج المحيط الهائج الذي أصبحت مضطرة للإبحار فيه، من قبل المواطنين، بمن فيهم أولئك الذين انتابتهم موجة عارمة من التفاؤل عندما بدأ المتحاورون جلساتهم الأولى. تماماً كما يلجأ أهل المريض وأقربائه إلى الله يتوسلونه شفاء صاحبهم، بات أولئك المتابعون يمارسون الطقوس ذاتها حين قراءتهم لأخبار الحوار، أو متابعتهم له عبر شاشات التلفاز. 3. انتشار الشائعات، وتداول الأخبار «المفبركة» التي تمتد من تلك التي تكتب نعي الحوار إلى تلك التي ما تزال متشبثة ببعض الخيوط الواهية بالمستقبل الباهر الذي ينتظره. تماماً كما تتناقل أخبار المريض الذي يدخل إلى غرفة الإنعاش، عندما يهرع الزوار نحو الطبيب لحظة مغادرته غرفة الإنعاش التي يسكنها ذلك المريض، ويفسر كل منهم ما يقول الطبيب وفقاً لمخيلته، لا طبقا لما جاء في تصريحات الطبيب من معلومات، بعضها مؤلمة، وبعضها الآخر محبطة. وكما تتضارب تأويلات تلك الأقوال، كذلك تتأرجح اجتهادات فهم تصريحات الخارجين من غرفة الإنعاش التي استقرت فيها طاولة الحوار. كل متابع هنا يقرأ تلك التصريحات وفقا لتمنياته، التي ترسم بدورها الإطار العام الذي يحيط بسير الحوار وتطور أوضاعه. كل هذه الظواهر والأعراض التي قد تبدو في ظاهرها محبطة وزارعة لعناصر اليأس، لا يمكنها أن تخفي عن أعين من يمتلكون خبرة في تاريخ المجتمعات ومراحل تطورها تلك المساحة الواسعة من الأمل التي تشع من وسط ظلمات غرفة الإنعاش التي دخلتها طاولة الحوار. فمهما بلغ تردي الحالة التي وصل لها الحوار لابد لنا من أن ندرك أن تطور المجتمعات وتقدمها لا يمكن أن يسير في خط مستقيم أحادي البعد، فهو، وكما تعلمنا كتب التاريخ طريق ثلاثي الأبعاد، وملتوي في الوقت ذاته، يعاني، وهو امر طبيعي من هبوط وصعود في بعده الأول، ومن تقدم وتراجع في بعده الثاني، ومتأرجح ذهابا وإيابا في بعده الثالث. لكن محصلة حركته الثلاثية الأبعاد هذه، وكما تقرها قوانين الفيزياء والرياضيات أيضا، عندما تطبق على نواميس التاريخ والسياسة، تكون نحو الأمام دائما. الحوار في غرفة الإنعاش، هذا أمر لا شك فيه، لكن مستقبل البحرين ليس محصورا بين جدران تلك الغرفة، وآمال شعب البحرين ليست معلقة على أسلاك أجهزتها. وهذا ما يمد المواطن بجرعات الأمل والثقة التي لا يمكن ان يصادرها أحد منه، حتى وإن استمر الحوار مقيماً في غرفة الإنعاش السياسية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها