النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10937 الأربعاء 20 مارس 2019 الموافق 13 رجب 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:27AM
  • الظهر
    11:46AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    5:48PM
  • العشاء
    7:18PM

كتاب الايام

مصر الحضارة والتاريخ والروح والعشق

رابط مختصر
العدد 8825 السبت 8 يونيو 2013 الموافق 29 رجب 1434

تعلمنا من التاريخ ان الحضارة مصرية، فالدولة المصرية هي نبع الحضارة وعنوانها، والمصري قدم للبشرية حضارة من اعرق الحضارات الانسانية في فنونها عندما ابدع، ليس هذا فحسب، بل كانت حضارة بمعناها الحقيقي في ابتكاراتها وافكارها وآثارها. وتعلمنا من التاريخ الحديث ان المصري عندما يمر بمشكلة حتى لو كانت في حجم نكسة 1967، سرعان ما يتجاوزها ويتفوق على نفسه ليهزم الاعادي ويوقع بهم الهزائم، فالمصري لا يستكين للنكبات ويعمل على هزيمتها ليعاود تقدمه وابتسامته وليضع بصماته الجديدة في كل مرحلة يمر بها. وشعراء مصر على مر تاريخها ليسوا ببعيدين عن امتهم ووطنهم، فاعتدنا منهم التغزل في محاسنها ونيلها واجوائها وخضرتها، الى ان اصبحت قاهرة المعز ملهمة للشعراء في الغزل والحسن والجمال وحتى اذا تهكم شعراء مصر على وطنهم في بعض الاحيان، فهذا ليس بسبب ان شعراءها يكرهون مصر وبلدهم التي عاشوا وتربوا فيها، ولكن لما يرونه في مصرهم الآن من سوء احوال، فمصر ليست بمصر، والقاهرة لم تعد هي القاهرة، والنيل يئن، حتى اصبح هو الآخر محل خلاف بين دوله، او بين ما يدعونه مورد وآخر مصب. فالمورد يريد الاستئثار بالماء الذي وهبه الله عز وجل لشعوبه، والمصب يخشى العطش، ولكنه للأسف لم يصل لوسيلة بعد لضمان حقه في ماء النهر. وأيام المياه الوفيرة في مصر، كتب الشعراء القصائد لنهر النيل وهم الذين تغنوا به وعاشوا على شواطئه وجنباته، وحبوا في مياهه وصفائها وشروق وغروب الشمس عليه، فغنت ام كلثوم «شمس الاصيل» للشاعر الكبير بيرم التونسي.. هذا الشاعر الذي ابدع بكلماته ونقلتها لنا مطربة مصر والعرب الراحلة بنحجرتها الذهبية تقول : خوص النخيل يا نيل، تحفة ومتصورة، في صفحتك يا جميل، والناي على الشط غنى، والقدود بتميل، على هبوب الهوا، لما يمر عليل. يا نيل أنا واللي احبه، نشبهك بصفاك، لانت ورقت قلوبنا، لما رق هواك، وصفونا في المحبة، هو صفاك، ما لناش لا احنا ولا انت، في الحلاوة مثيل. انا وحبيبي يا نيل، نلنا أمانينا، مطرح ما يرسي الهوى، ترسي مراسينا، والليل إذا طال وزاد، تقصر ليالينا ،واللي ضناه الهوى، باكي وليله طويل. انا وحبيبي يا نيل، غايبين عن الوجدان، يطلع علينا القمر، ويغيب كأنه ما كان، بايتين حوالينا نسمع، ضحكة الكروان، على سواقي بتنغي، ع اللي حظه قليل يا نيل. يا الله، فالمحبون يغيبون عن الوعي وهم جالسون على النيل، ويدخل الليل بقمره الى ان تغيب اضواؤه والمحبون كما هم يستأنسون بالجلوس على النيل ولا يشعرون بقدوم القمر او غيابه، ويكفيهم صوت الكروان. ولم يكن بيرم التونسي ولا ام كلثوم بعيدين عن حب النهر العظيم، فعندما وصف الشاعر النيل بانه تحفة متصورة، تستكمل ام كلثوم الوصف وتطربنا وتقول «ان القدود بتميل على هبوب الهوا لما يمر عليل».. وبالنيل نال العشاق امانيهم وحظهم قليل من هم حبوا بدون الجلوس على النيل. وبينما غنى المصريون وشعراؤهم للنيل حبا فيه وفي بلدهم العزيز الغالي على قلوبنا، يخرج الشاعر الكبير فاروق جويدة بأحدث قصائده ويمزج فيها بين السياسي والوجداني، تحت عنوان «لا أنت مصر‏..‏ ولا السماء سماك»، وصور الشاعر بلده الحزينة واليائسة بسبب ما تمر به حاليا، فهو وإن كان عاش في مصر ورأي سماءها طويلا، فهو الآن لم يعد يراها مصر ولا السماء سماءها. فقد غلب اليأس جويدة وهو الشاعر الرومانسي، واصبح حزينا على مصر التي تعيش فتنة اصابتها واصبحت عيونها حائرة وتدمع على ما اصابها. ويواصل جويدة قائلا: سفك الدماء البيض فوق ثراك؟!غـرقت على شطيك كل سفائنى، شاخ الزمان على ضفافك.. وانطوى، ركب السنين وضاع سحر شذاك، ماتت على شفتيك أحلام الصبا..هل سوء حظي أم جحود جفاك؟! قد طفت حولك الف عام عابدا، ما كنت يوما هائما بسواك، أين النسائم والأصيل يضمنا، ما قلت شعري في الهوى لولاك.. خدعوك حين ترنموا بهواك، لم يبق منهم فارس يرعاك، زعموا هواك.. وفى المنايا هرولوا، لم يبق منهم حارس لحماك، ما أكثر العشاق في دنيا الهوى، لكنني وحدي الذى يهواك، مدي يديك تكلمي لأراك، خفت البريق وغاب سحر ضياك، عهد من الطغيان ولي.. وانقضى، ليجيء عهد في الضياع رماك، الأخوة الأعداء خانوا حلمنا، هدمــــوا عرينــا شيدته يداك. كتبت قبل فترة، انني وفي زيارة سابقة لي للقاهرة سألت مياه النيل الجارية: «متى ينتهي مخاض مصر الصعب؟.. ولكم حزنت، فلم تعد المياه تتحدث معي او تناجيني كما كان عهدي بها سابقا، ثم توجهت بتساؤلاتي لذاتي هذه المرة، فلم أعثر على اجابة ايضا، وهنا اشفقت على مصر وعلى نيلها». ورغم خواطري آنذاك، الا انني على يقين بان مصر ستعود بكل معانيها، مصر النيل، مصر الحب، وسيعود لها عاشقوها ليتنعموا بصباحها وسحرها، وليخطفوا دقائق او ساعات او اياما في حضرة نيلها العظيم، وسيجد شعراؤها كلمات جديدة يتغنون بها في مصر، وستنهض من جديد قاهرة المعز وقاهرة صلاح الدين وقاهرة عبد الناصر، والقاهرة الغنية بالتاريخ والحضارة والتدين وارض الرسل والانبياء والتي ذكرها القرآن الكريم في مواقع عديدة لفظا ومعنى، وقاهرة الامل. وكما قال الشيخ العريفي في وصف مصر، فهي الحضارة والتاريخ والدين، فكانت المكان الذى احتضن الأنبياء، والأرض التي كانت مكانا لخطوات الأنبياء والرسل عليها، وجاء إليها أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام وتزوج منها السيدة هاجر، كما جاء إليها يوسف عليه السلام وأصبح فيها وزيرا وتبعه إليها أبوه يعقوب •• ودار أعظم حوار بين الله عز وجل وبين موسى عليه السلام على أرضها• وإلى مصر لجأت العائلة المقدسة السيدة مريم العذراء والسيد المسيح طفلا ويوسف النجار وقاموا برحلة تاريخية مباركة ففي أرضها •• وقد اختار الله سبحانه وتعالى مصر بالذات لتكون الملجأ الحصين الذي شاءت السماء أن يكون واحة السلام والأمان على الدوام وملتقى الأديان السماوية. ولم يكن الموسيقار والمطرب الكبير محمد عبد الوهاب يقبل ليعيش كل حياته دون ان يغني للنيل العظيم، هذا النيل الخالد نبع الحضارة المصرية ومفجرها فكانت قصيدة «النهر الخالد» للشاعر المصري محمود حسن اسماعيل بلسما وطهرا لمياهه الصافية، فتخيل عبد الوهاب نفسه مسافرا على مياه النهر، وكان زاده في رحلته هي الخيال والسحر والعطر والظلال. فقال: مسافر زاده الخيال والسحر والعطر والظلال.. ظمآن والكأس في يديه والحب والفن والجمال شابت على ارضه الليالي وضعت عمرها الجبال.. ولم يزل ينشد الديارا ويسأل الليل والنهارا والناس في حبه سكارى هاموا على افقه الرحيب.. آه على سرك الرهيب وموجك التائه الغريب يا نيل يا ساحر الغيوب يا واهب الخلد للزمان يا ساقي الحب والاغاني.. هات اسقني ودعني اهيم كالطير في الجنان ياليتني موجة فاحكي الى لياليك ما شجاني.. واغتدي للرياح جارا واحمل النور للحيارى فأن كواني الهوى وطار كانت رياح الدجى نصيبي.. آه على سرك الرهيب وموجك التائه الغريب يا نيل يا ساحر القلوب سمعت في شطك الجميل ما قالت الريح للنخيل..يسبح الطير ام يغني ويشرح الحب للخميـــــل واغصن تلك ام صبايا شربن من خمرة الاصيل.. وزورق بالحنين سارا ام هذه فرحة العـــذارى تجري وتجري هواك نارا حملت من سحرها نصيب.. آه على سرك الرهيب وموجك التائه الغـريب واذا كان الى هذا الحد، تغنى المصريون في نيلهم ومصرهم ووطنهم، فإننا نحن العرب الذين عشقنا هذه البلد وارضه وناسه نقول ان مصر هي مصر ستبقى حتى ان عانت يوما، فالقلب سيظل في متعلقا بها، فمصر تسكن فينا كما اننا نسكن فيها، حتى لو كانت الروح بعيدة عنها. فعندما نسافر اليها ترتد الروح للجسد، فهواها لا يفارقنا، فالقاهرة بماضيها وحاضرها هي وطننا الثاني بكل امانيه. فهي في القلب نبضٌ، وفي الاغنية الكلمة معنى، وهى الزاد في الرحلة، وستبقى رحيقا في الوجدان. فمصر هي البلد والوطن والارض والنيل بعيدا عن مشكلات المورد والمصب. نسأل الله العلي القدير أن يحفظ مصر و يجمع شمل اهلها، ويولي عليهم خيارهم واتقاهم .. اللهم من أراد بمصر وأهلها بسوء أو دبر لهم مكائد، فرد كيده في نحره واجعل تدبيره تدميرا عليه يا قوي يا عزيز يا رب العالمين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها