النسخة الورقية
العدد 11061 الإثنين 22 يوليو 2019 الموافق 19 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:28AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:30PM
  • العشاء
    8:00PM

كتاب الايام

الرفاع مسرح الطفولة

رابط مختصر
العدد 8825 السبت 8 يونيو 2013 الموافق 29 رجب 1434

في عام 1960، وكان عمري حينها أربع سنوات، كانت تزور بيتنا القديم الكائن بمدينة الرفاع الشرقي امرأة في العقد الخامس من عمرها، وربما أقل من هذا العمر قليلا، اسمها فاطمة بنت عيسى، وكنت أسميها فاطمة الغريبة، وكانت مربوعة القامة وسمحة الوجه والمحيا، وهي صديقة عزيزة وغالية على العائلة التي سمح لي العمر بأن أعيش في كنف جدتين بينها، أم لأبي وجدته أيضا، كانت تزور بيتنا يوميا تقريبا، وكانت تجمعني وأخواتي الست كل مساء، في الشتاء في دارنا الطينية وفي الصيف على سجم حوشنا الكبير وهو أشبه بالسرير الذي يضم العائلة كلها وأشبه بالصالة الصيفية الكبيرة المفتوحة التي يلتقي فيها أفراد العائلة، كنا نتحلق حولها بلهفة كبيرة من أجل الاستماع إلى حكايات مخيلتها الشعبية التي تتنقل بنا من أسطورة إلى خرافة إلى حكاية هي تؤلفها بمخيلتها المفتوحة على عالم واسع هي تراه ونحن نتخيله، وكانت طريقة سردها للحكايات اليومية مشوقة أو شائقة، كانت في أغلب الأحيان تسرح بمخيلتنا إلى عوالم غريبة نوشك أن نراها ونعيشها، وكانت أقرب في طريقة تصورها للحكايات التي تسردها للراوي أو الحكواتي في المسرح، تتكلم قليلا، تصمت بعض الوقت ثم تعود لتنقلنا إلى أحداث أخرى، ونحن، أنا وأخواتي نلح عليها، أكملي وماذا بعد؟ تبتسم، تربت على أكتافنا، تعبث بود بيدها في شعر أخواتي، ثم تواصل الحكاية، وكنت أتخيل الحكاية وكما لو أنها تجري أمامي على خشبة المسرح، تستيقظ مخيلتي، يغادرني النوم، تنام أخواتي وأنا لازلت فاتحا عيني بسعتيهما، تسألني وهي تضحك: لماذا لم تنم بعد؟ أجيبها: أريد حكاية أخرى، تحثني بود: نم الآن واحلم بحكايتك وغدا قل لي ماذا حلمت؟ وقد رافقتني حكاياتها سنوات ورافقتني أحلامي التي أسردها لها إذا حلمت أو أوهمتها أنني حلمت كي أجعلها قريبة مني أكثر ومن أحلامي، وأكون أنا شخصيا أقرب إلى مخيلتها الحالمة التي كم أزعجني حينما كبرت بأنني لم أفكر في تدوين حكاياتها التي ربما ستكشف عن موهبة روائية أو قاصة شعبية من الطراز الأول سيتعلم الكثير من الأطفال في خليجنا العربي من مخيلتها المفتوحة بلا نهايات على العالم الذي نعيشه والعالم الذي نتخيله.. لقد كانت فاطمة بنت عيسى مشعل المخيلة الأول في حياتي المسرحية عندما كنت طفلا رافقها ما يربو على الخمسة أعوام يوميا تقريبا، بل كنت أحيانا أتخيلها وأحلم بها وكما لو أنها لم تزل بعد تسكن مخيلتي وأحلامي.. في منتصف ستينيات القرن الماضي، القرن العشرين تحديدا، كنت حينها طفلا في المرحلة الابتدائية بمدرسة الرفاع الشرقي القديمة، وهي أول مدرسة تنشأ في الرفاع، ولم يوجد بها حتى صالة صغيرة لممارسة هواية التمثيل، شأنها أو مثلها في تلك الفترة شأن أغلب مدارس البحرين، ولكن كانت دروس المحادثة والقصص الحرة التي كنا نتلقاها والتي لا زلت اذكر بعضها مثل (سرحان بين الغيط والبيت) أو (سعاد ودجاجها) أو (لك يوم) أو (العنزات الثلاث)، كانت تلبي بعض رغبتنا في التمثيل، إذ كنا نتخيل أحداثها ونحاكيها أثناء الدرس أو بعده وبمتعة كبيرة تثير الضحك بيننا، خاصة ما إذا تخيلنا أشكال بعض الشخصيات الكارتونية التكوين كسرحان الذي يقع في مقالب كثيرة ومضحكة في رحلته من (البيت) إلى الغيط (الحقل)، وهي قصة تربوية عظيمة تدعو إلى التفكير والإبداع وتطفئ النمطية والغباء، ومفاد هذه القصة أن سرحان كان حرفيا في سلوكه غير مبدع ولا مفكر، فعندما أرسلت أمه معه بعض النقود لجدته حملها سرحان في يده فسقطت منه في الطريق وهو لا يدري، فعاد سرحان يبكي فقالت له أمه: لقد أخطأت يا سرحان بحملك النقود في يدك، كان عليك يا بني أن تضعها في جيبك، وعندما أرسلت معه كمية من الزبد لجدته تذكر نصيحة أمه السابقة، فوضع الزبد في جيبه، وأنصهر الزبد من الحرارة وحدث ما حدث، فرجع باكيا إلى أمه فقالت له: كان عليك يا سرحان أن تحمل الزبد في يدك، وبعد مدة أرسلت معه خروفا صغيرا لجدته، فتذكر آخر نصيحة لأمه فحمل الخروف بين يديه، فأنهكه التعب واتسخت ملابسه فقالت له جدته: كان عليك أن تربط الخروف في حبل وتجعله يسير خلفك، وعندما أرسلت معه دجاجة إلى جدته تذكر نصيحة جدته يوم الخروف، فربط الدجاجة من عنقها وجرها خلفه فاختنقت الدجاجة وماتت.. هل تخيلتم معي الآن شكل سرحان؟ ألا تدعوكم هذه الشخصية حينما كنتم أطفالا إلى تمثيلها؟ لم نكن نسأل حينها لماذا لا يوجد مسرح بالمدرسة يلبي رغبتنا ويكتشف ميولنا المسرحية، لأن مسرح الطفل بشكل عام في البحرين كلها غير موجود وغير معروف آنذاك، كان مسرحنا هو مخيلتنا التي نطل من خلالها على أحداث هذه القصص ونحاكيها أو نقلدها بعد انتهاء الدرس، ومدرس القصص الذي كان يشبه الراوي في المسرح في طريقة قراءته للقصة أو حفظه لها عن ظهر قلب أو إضافته بعض نكهات التشويق من مخيلته عليها. كان الحي، (الفريج) في مدينتنا بالرفاع، يزخر بنماذج مسرحية شعبية كنا ونحن أطفال نتحين فرصة خروجها إلى الساحات والأزقة، ومن بينها كان جارنا عبدالله الذهب وهو من أصول عمانية، أذكر أنه كان يطلي وجهه بالفحم صانعا منه لحيته الخاصة، وكان يرتدي عمامة غريبة وثوبا قصيرا (مجعلك) أو متسخ ببعض الفحم الذي يستخدمه للحيته، وكان يحمل على كتفه خرجا أو كيسا قماشيا مملوءا بعدة التمثيل والشخصيات التي كان يؤديها وهو يتجول في الحي.. وكانت هذه الشخصية تأسرني كثيرا، لأنها لا تنتظر من يدعوها للتمثيل ولأنها كانت جريئة وقادرة على أداء أكثر من شخصية دون أن تتكلم، ولأنها تمتع أهل الحي كله صغارا وكبارا، ولأنها تدفعنا لتقليدها، ولأنها وهذا هو الأهم تمكيج وجوهنا أو تطليها بالفحم وتجعلنا في هيئات مختلفة تدعونا للضحك أحيانا على بعضنا البعض.. وفي بيت هذا الممثل الجوال الأول الذي تفتحت عيناي عليه وأنا طفل، كان ابن عمه حفيظ الذهب، وهو شاب مولع بشعر عنترة بن شداد وحكايته مع حبيبته ابنة عمه عبلة، كان يدعونا لقراءة شعر عنترة وتمثيل دوره ودور عبلة والأدوار الأخرى التي سردتها سيرة عنترة العبسي، وكان يصر علينا دائما بحفظ شعره، وكنت في اليوم التالي عندما أذهب إلى المدرسة، أذكر لأقراني هذه الحكاية وكيف مثلتها مع من جمعتني بهم صحبة التمثيل في حينا، فيزداد شوقهم لرؤية ما رأيت وتمثيل ما مثلته وللمتعة التي عشتها وأنا أمثل بعض شخصيات سيرة عنترة، فأدعوهم معي للمشاركة في هذه المتعة إلى بيت حفيظ الذهب، وكان البيت حينها أشبه بمسرح صغير للأطفال، لا توجد فيه خشبة مسرح، كنا في هذا الحوش الصغير نتدرب ونمثل وكان حفيظ بعفويته وتلقائيته يقوم بدور المخرج، فيوجهنا في التمثيل، كيف نؤدي شخصية عنترة؟ كيف نؤدي شخصية عبلة؟ وكان الجميل في الأمر، أن هذا البيت المسرحي الصغير يضم معنا بعض الأطفال من البنات، وكن يقمن بدور المتفرجات على العرض.. وفي الحي نفسه، يوجد نادٍ صغير يحمل اسم (نادي الكوكب)، وكان يضم أطفال وناشئة وشباب الحي كله، وهو عبارة عن بيت شعبي صغير يتوسطه حوش متواضع الحجم، هذا الحوش كان يجمعنا فيه مدرب كرة القدم بالنادي رحمه الله الكابتن والفنان حسن الزلاقي، كان لاعبا ومدربا مولعا بالمسرح بشكل غير عادي، وكانت لا تمر مناسبة إلا وأحيا فيها اسكتشا مسرحيا (أو تمثيلية قصيرة) من تأليفه وإخراجه، وكان يستعد لتقديمها بضعة أيام، وكانت أغلب اسكتشاته عبارة عن مواقف فكاهية هدفه منها إمتاع أهل الحي، وكان هناك هدف آخر وهو الأهم، تحبيبنا إلى المسرح ودعوتنا للمشاركة فيه بطريقة غير مباشرة، وكان هذا النادي يعتبر الوحيد في مدينة الرفاع الشرقي الذي يقدم حينها مسرحيات ومشاهد تمثيلية بشكل متواصل، وهو الوحيد أيضا الذي يضم لاعبين ممثلين في الوقت نفسه.. وكانت أول تجربة مسرحية لي في هذا النادي، عندما دعانا الكابتن الفنان حسن الزلاقي نحن أطفال الحي للمشاركة في استعراض تمثيلي توعوي يبرز دور النظافة وأهميتها بين أبناء المجتمع وهي عبارة عن مسابقة رسمية تنظمها وزارة البلديات لكل بلديات البلد، فكان نادي الكوكب هو من يمثل مدينة الرفاع باستمرار في مثل هذه المسابقات، وكان الاستعراض عبارة عن شخصيات تمثل أدوارا بيئية وكنت بينهم أمثل دور الوقائي الذي يمنع الحشرات من الهجوم على صحة البشر والمجتمع، وكم كانت سعادتي بالغة وأنا أشارك أقراني هذا الاستعراض في استاد مدينة عيسى الرياضي وكانت مئات الجماهير تشاهدنا في هذا العرض.. وكان الاستاد (الملعب)، أكبر مسرح في حياتي مثلت فيه.. وتخيلوا معي حينها مقدار فرحي وسعادتي بهذا المسرح الكبير والمفتوح وبحضور هذا الجمهور الكثيف حينها لمشاهدتنا ونحن نمثل في هذا الملعب.. وفي نفس الحي، وفي نادي الكوكب تحديدا، تفتحت عيناي على ممثل جوال من نوع آخر، وكان يدعى (عدنان الدوغه) نسبة إلى منطقة كانت تعد الأحجار للبناء، وهو من أصول عمانية أيضا، كان يقصدنا بين يوم وآخر بدراجته المتعددة الأغراض، وكانت أشبه بمسرحه المتنقل الذي يجوب به مناطق متعددة ومجاورة لمدينتنا، وكان الأطفال ينتظرونه على أحر من الجمر كي يسعدوا بأدائه التهريجي والكوميدي وبلهجته العمانية الظريفة، كان أفطس الأنف، وكان منخارا هذا الأنف هما مفتاح المسرحية وختامها، فعندما يريد أن يبدأ التمثيل يضغط بسبابته على المنخر الأيمن، وعندما يريد أن يختمه يضغط على المنخر الأيسر، وعندما يريد أطفال الحي مسرحية أخرى من باب الدعابة معه، يتجرأ بعضهم ويضغط على منخره الأيسر.. كان عدنان الدوغة اشتهر بتقليد الشخصيات التاريخية وشخصيات الكاوبوي، وكان يتمتع بفم واسع يصدر منه أصواتا متداخلة ومؤثرات صوتية، لتجعل من وجهه كله مسرحا حيا، الشخصيات والأحداث والمؤثرات والموسيقى والغناء تتناغم كلها في أدائه، وهي قدرة هائلة لم يصادفني حينها مؤدٍ يقوم بكل الأدوار المسرحية مرة واحدة، وحين ينتهي من مهمته يمضي إلى منطقة أخرى يقدم فيها عرضه المسرحي الارتجالي.. شكوكو ومسرح النوافذ.. وعندما حل في بيتنا التلفزيون، استوقفتنا ونحن أطفال في غرفتنا العلوية التي كانت تضم معنا أطفال بعض الجيران، لكوننا من أوائل من استضاف التلفزيون في بيته بالحي، استوقفتنا حكايات بابا حطاب الذي كان يطل علينا كل مساء تقريبا من محطة أرامكو السعودية، وأفلام شكوكو وعلاقة شكوكو بمسرح الأراغوز أو (مسرح الدمى)، فكنا نكون في غاية المتعة ونحن نتفرج على شخصياته التي يقدمها من خلال مسرحه الصغير ويشاركها التمثيل في الآن نفسه، فكنا نقلده في بيوتنا، حيث نجعل من ستارة النافذة الشعبية التي كانت موصولة بعتبة صغيرة في نهايتها، ستارة للمسرح، وكنا نستخدم بعض الدمى ونحركها ونتحدث معها بالطريقة (الشكوكية)، حتى صارت هذه النوافذ الشعبية بستاراتها مسارح نمارس فيها هوايتنا المسرحية، وأدركت حينها بأن للمسرح ستارا يفتتح به العرض ويختتم به، وكنت أتعرف للمرة الأولى بأن هناك مسرح خاص بالأطفال وإن كان يحمل أحيانا معاني كبيرة يستوعبها الكبار أكثر منا في حينها، ولكن كانت متعتنا بها ربما تفوق متعة الكبار.. مهرج السيرك.. ويحدث أن يقام خلال هذه الفترة المعرض الزراعي الأول بمدينة المنامة بالعاصمة، فيصحبني أبي مع أخواتي إليه، وهناك بجوار المعرض خيمة سيرك كبيرة تتقدمها يافطة كتب عليها (سيرك عاكف)، ولأول مرة في حياتي أتعرف على السيرك وبما يحتويه من فنون وألعاب وأكروبات ومتعة فائقة، ولكن أكثر ما استوقفني في هذا السيرك المهرج ذي الأزياء الملونة الغريبة والقبعة القماشية المتدلية والأنف الأحمر الناتئ (البارز) والفم المبالغ في طلاء شفاهه باللون الأحمر.. كنت أتفرج عليها بمتعة فائقة وهو يتنقل بين الأطفال ويدعوهم للمشاركة معه في التمثيل والارتجال والحيل التي يستخدمها أثناء أدائه.. انتابتني سعادة غامرة وأنا أشاهد هذا المهرج وهو يؤدي دور المسكين المغلوب على أمره ودور القادر على تجاوز هذه المسكنة بالضحك عليها، فكم أضحكني وكم تمنيت حينها أن تكون هذه الخيمة بجوار منزلنا أو في حينا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها