النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12141 الثلاثاء 5 يوليو 2022 الموافق 6 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

مشخصاتية وجورنالجية.. وافوكاتية!

رابط مختصر
العدد 8824 الجمعة 7 يونيو 2013 الموافق 28 رجب 1434

في الاجتماع الذي عقدته الأسبوع الماضي لجنة الثقافة والإعلام والسياحة بمجلس الشورى المصري، لمناقشة الموازنة العامة لدار الأوبرا المصرية في العام المالي الجديد، طالب أحد النواب بإلغاء «معهد الباليه»، لأنه فن العراة الذي ينشر الرذيلة والفحش بين الناس، وهو اقتراح ذكرني بالقرار الذي أصدره «وزير المعارف» في ثلاثينيات القرن الماضي، «محمد حلمي عيسي باشا»، بإلغاء «المعهد العالي لفن التمثيل». وكانت مصر أيامها تعيش في ظل ديكتاتورية رئيس الوزراء «إسماعيل صدقي باشا» الذي جاء ليحكم بالحديد والنار، فالغى دستور 1923، الذي كان يجعل الأمة مصدر السلطات، وأحل محله دستور 1930، الذي قام على أساس أن الحكومة فوق كل السلطات، وأجرى انتخابات مزورة أسفرت عن فوز الحزب الذي يرأسه بالأغلبية «وأراد الوزير أن يشغل الناس عن معركة الدستور والديمقراطية، وأن يعابث التيارات المحافظة في المجتمع، فأصدر قرار إغلاق المعهد، وقال في تبرير ذلك إن الدراسة فيه تقوم على الاختلاط بين الطلبة والطلبات، وهو ما يتعارض مع التقاليد والأخلاق الحميدة». وأثار القرار عاصفة من الاعتراض، واطلقت الصحف على «محمد حلمي عيسي باشا» لقب «وزير التقاليد والأخلاق الحميدة» وظلت تكرره حتى وأصبح علما عليه، ونسي الناس اسم «وزارة المعارف» التي كان يتقلدها، وحين استقالت الوزارة بعد عامين نسي الناس اسمه، ولم يعودوا يتذكرون سوى اللقب الذي اطلقته عليه الصحف، وبعد خمسة عشر عاما، وفي نهاية الأربعينات عاد المعهد العالي لفن التمثيل ليفتح أبوابه، وفي الخمسينيات تحول إلى أكاديمية للفنون تضم معاهد للمسرح والسينما والموسيقى والباليه وغيرها من الفنون، درس فيها وتخرج فيها آلاف من الموهوبين الذين يعملون الآن في هذه المجالات وما يتصل بها، ويقدمون لنا الفنون التي نستمتع برؤيتها من مسرحيات وأفلام ومسلسلات وأغاني وأوبرات وعروض للباليه.. الخ، فالزمن يسير عادة إلى الأمام.. وحتى لو اضطر للعودة إلى الخلف، فإنه يعود مرة أخرى لمساره المعتاد. وحين عرفت مصر فن التمثيل في أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، كان التمثيل مهنة محتقرة، يطلق على من يشتغل بها لقب «المشخصاتي» وينظر إليه الناس باعتباره «مهرجا» و«بهلوانا»، ولا تقبل المحاكم شهادته، وتأنف الأسر المحترمة من تزويجه بناتها، ولم تكن هناك امرأة مصرية مسلمة تقبل أن تشخص على خشبة المسرح، فكان الرجال يقومون بأداء معظم الأدوار النسائية، أو تقوم بها نساء غير مسلمات أو غير مصريات.. حفاظا على التقاليد والأخلاق الحميدة!ولم تكن المكانة الاجتماعية المتدنية للممثل تختلف كثيراً عن المكانة الاجتماعية المتدنية للصحفي، الذي كان يطلق عليه آنذاك لقب «جورنالجي» لأنه يمارس مهنة وصفها دفاع «الشيخ عبدالخالق» السادات ـ نقيب الإشراف ـ في الدعوى التي أقامها أمام محكمة مصر الشرعية، يطالب فيها بالتفريق بين أبنته «صفية» و«الشيخ «علي يوسف» ـ أشهر الصحفيين في عصره ـ بأنها «من أخس المهن وأدنئها»، لأن المشتغلين بها من الجرنالجية، يتجسسون على عورات الناس، ويفضحون ما أمر الله بستره من خطاياهم». ولم تكن مكانة المحامي الاجتماعية تختلف عن مكانة «المشخصاتي»، إذ كان العمل بالمحاماة لا يتطلب الالتحاق بمدرسة لدراسة القانون أو الحصول على شهادة فيه، لذلك كان المحامي يلقب بـ«السفيه» أو «المزور» باعتباره من وجهة نظر خصمه في الدعوى، قادرا على أن يحيل الجاني إلى مجني عليه! ومع تغير الزمن، تغيرت التقاليد والعادات، وتغيرت النظرة إلى المكانة الاجتماعية، وهوى بعض أولاد العائلات فن التمثيل، وفوجئ الناس بـ«يوسف وهبي»ـ ابن «عبدالله وهبي باشا»ـ يقرر أن يصبح مشخصاتيا.. وأن ينفق ما ورثه عن أبيه في إنشاء فرقة مسرحية واهتمت الدولة بالتمثيل وقررت له جوائز من ميزانياتها، واقترن بعض أبناء العائلات بممثلات، ومولوا إنشاء فرق مسرحية باسمائهن، وتزوج وجيه من عائلة الشريعي العريقة بالصعيد بالفنانة «عزيزة أمير» ـ بريمادونة مسرح رمسيس ـ وقبل أن يمول مغامرتها لتصوير فيلم «ليلى» أول شريط سينماتوغرافي روائي في تاريخ السينما العربية! وتصاعدت مكانة المحامين، فتغير لقبهم من السفهاء إلى الافوكاتية أصبح بعضهم وزراء، وقاد بعضهم ـ ومنهم مصطفى كامل ومحمد فريد ـ حركة المقاومة ضد الاحتلال، وتزعم أحدهم ـ وهو سعد زغلول ـ ثورة 1919، ومع ذلك لم يأنف بعضهم من ترك المحاماة ـ التي تصاعدت مكانتها السياسية والاجتماعية ـ ليعمل مشخصاتيا، وكان منهم «عبدالرحمن رشدي» المحامي، الذي أغلق مكتب المحاماة الناجح الذي يعمل به، ليؤسس فرقة مسرحية باسمه و«بشارة واكيم» المحامي الذي لمع اسمه كمشخصاتي في المسرح والسينما، فضلا عن المحامين الذين لمعت أسماؤهم ككتاب لنصوص المسرحيات وسيناريوهات الأفلام، ومنهم «محمود كامل» و«أنطون يزبك» و«محمد كامل حسن» و«إبراهيم رمزي» و«سليمان نجيب». وكان ذلك ما حدث للصحافة التي تحولت مع الزمن من مهنة كانت توصف في بداية القرن العشرين بأنها «من أخس المهن وادنئها» إلى مهنة يشتغل بها الزعماء والقادة ورجال الدين كان منهم «محمد عبده» و«سعد زغلول» و«مصطفى كامل» و«محمد حسين هيكل باشا» و«رشيد رضا» و«حسن البنا» و«طه حسين»، كما اشتغل بها عدد من ألمع المحامين كان من بينهم «فكري أباظة» و«محمد التابعي» و«أحمد أبوالفتح» و«محمد مندور»، فضلا عن القصص والسيناريوهات والمسرحيات التي كتبها صحفيون للمسرح وللسينما مثل «نعمان عاشور» و«سعد الدين وهبة» و«الفريد فرج» و«عبدالرحمن الشرقاوي» و«لطفي الخولي» فقد مثل بعضهم أدواراً على الشاشة وعلى خشبة المسرح، كان من بينهم «عبدالرحمن الخميسي» و«صلاح جاهين». وهكذا ومع تغير الزمن، وتقدم الوعي الاجتماعي للشعوب، تغيرت المفاهيم والقيم وتغير سلم المكانات الاجتماعية، فارتفعت مكانة المشخصاتية والجرنالجية والأفوكاتية من أسفل السلم الاجتماعي إلى قمته، ونسي الناس اسم وزير التقاليد.. كما سينسون غدا اسم نائب التقاليد الذي طالب بإلغاء معهد الباليه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها