النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11702 الخميس 22 ابريل 2021 الموافق 10 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

أهالي «المخارقة» يشتكون «آل ساعاتي»

رابط مختصر
العدد 8824 الجمعة 7 يونيو 2013 الموافق 28 رجب 1434

تعتبر آلة الغرامفون أو الفونوغراف (كلمة يونانية من مقطعين هما فون أي الصوت، وغراف أي الكتابة، وبالتالي يصبح المعنى الحرفي للكلمة هو الكاتب الصوتي) الأم الشرعية لكل الأجهزة السمعية، فهي تستخدم لإستعادة أصوات سجلت تسجيلا تماثليا على أقراص ذات أخاديد حلزونية تسمى أسطوانات. لكن ما قد لا يعرفه الكثيرون أن مخترعا فرنسيا هو «إدوارد ليون سكوت دو مارتنفيل» أنجز في عام 1857 أول جهاز يستغل إهتزازات قلم على أقراص ورقية لتسجيل الصوت دون أن ينتبه أنه عمليا قد سجل الصوت لأنه كان مهتما وقتها بدراسة خصائص الصوت فقط. وحينما شرع الشاعر والمخترع الفرنسي «شارل كروس» في عام 1877 الإستفادة من إختراع مواطنه وتطويره كان المخترع الإمريكي المعروف «توماس أديسون» قد سبقه إلى ذلك. حيث كان أديسون قد أنهى إختراع ما سيعرف بالغرامفون عبر تسجيل الصوت على صفائح من القصدير وإستعادة سماعه. أما الرواية التي تقول أن الغرامفون أخترع بالصدفة، كنتيجة رهان على علبة من السجائر ما بين مصمم الفكرة أديسون ومنفذها الميكانيكي السويسري كرونيسي، فهي غير دقيقة ولا أساس لها من الصحة. وهكذا استقبل العالم مولودا جديدا في دنيا الصوت والموسيقى إسمه «الغرامفون» والذي كان في البداية يعبأ بالزئبق وكانت إسطواناتها على شكل كأسة، قبل أن يحولها المخترع الألماني المقيم في واشنطون «إميل بلينر» في عام 1887 إلى إسطوانة دائرية مسطحة صنعت أول الأمر من القار القابل للكسر، ثم صنعت لاحقا من البلاستيك. ما يعنينا هنا أنه بظهور الغرامفون حدثت في العالم العربي، وتحديدا منذ بداية القرن العشرين، ثورة شبيهة بثورة الطباعة هي ثورة تسجيل الأصوات على الأسطوانات. حيث ظهر توجه محموم لدى شركات الاسطوانات للتعاقد مع المطربين والموسيقيين والمقرئين على تسجيل نتاجهم، وقادت هذه العملية شركات أجنبية مثل «أوديون» و«هزماستر فويس»، وشركات عربية مثل «بيضافون كومباني أبوغزال»، وشركات مصرية مثل «فابريقا أسطوانات ميشيان الأرمني». وتعتبر مصر أولى الدول العربية التي دخلتها معامل التسجيل، وكان ذلك في عام 1890 ، وأول البلاد العربية التي سجلت إسطوانات تجارية في عام 1903 أو 1904 وكانت للمطرب عبده الحامولي بحسب أطروحة للباحث «فريدريك لاغرانغ» عن «الشعر والموسيقى في مصر في عصر النهضة». وبما أن مصر كانت موئل الإبداع، وبوابة الفن والموسيقى الأولى في العالم العربي، فإن أنشطة التسجيل وصناعة الأسطوانات فيها من قبل الشركات الأجنبية كانت تدر ذهبا وتحقق أرباحا ضخمة. لذا صمم الموسيقار محمد فوزي أن يكسر احتكار الأجنبي لهذه الصناعة وينتج إسطوانات غير قابلة للكسر بأسعار تقل مرتين عن أسعار أسطوانات الشركات الأجنبية . وهكذا ولدت «شركة مصرفون» في عام 1958 وأنفق عليها صاحبها محمد فوزي كل مدخراته من عمله في السينما والتلحين والغناء، بل تفرغ لإدارتها من أجل أن يثبت أقدامها في أسواق الشرق الأوسط، غير أن الحكومة المصرية – في عمل أحمق غير مدروس – لجأت في عام 1961 إلى تأميم الشركة، وتعيين صاحبها على رأسها كموظف براتب شهري مقداره مائة جنيه فقط، الأمر الذي تسبب لفوزي بالإحباط والإصابة بمرض نفسي وجسدي ليتوفي في عام 1966 مأسوفا عليه. أما حكاية منطقة الخليج مع تسجيل الاغاني على الأسطوانات بعد انتشار اجهزة الغرامفون باشكالها التقليدية والتي كانت تأتينا من الهند ومصر والعراق، فإنها حكاية شيقة يجب ان تروى لما فيها من صور تجسد كيفية مواجهة الرعيل الأول لمختلف التحديات بالصبر والمثابرة. يعتبر فناننا الشعبي محمد زويد هو اول مطرب بحريني يسجل أغانيه على اسطوانات، وكان ذلك في عام 1929 في بغداد عبر «شركة بيضافون أبوغزال» لصاحبيها بطرس وجبران بيضا. وكانت هذه الشركة تزور بغداد ومناطق الخليج وتتحرى عن المقرئين والمطربين لتسجل نتاجهم مقابل اجور تدفعها لهم. والجدير بالذكر ان زويد، بعد ان تعلم اصول الغناء والعزف في «دار البصرة» القريبة من سكنه في داعوس «بـَمـْبي» في حالة بوماهر في المحرق، والتابعة لرائد فن الصوت الخليجي محمد بن فارس، زكاه الأخير ليسجل بدلا عنه اولى اغنياته في العراق في عام 1929 أي بعد عامين من قيام المطرب الكويتي عبداللطيف عبدالرحمن العبيد المعروف بعبداللطيف الكويتي بتسجيل اول اسطوانة له لدى الشركة ذاتها في العراق، وكان التسجيل لأغنية بعنوان «عواذلُ ذاتِ الخال فيّ حواسدُ». لكن هناك من يؤكد أن أول من سجل من المطربين الكويتيين هو عبدالله فضالة في عام 1913 في استوديوهات خاصة في بمبي، كما يؤكد أن الفضالة هو أول مطرب خليجي يسجل في القاهرة لدى بيضافون في عام 1929 أغان مثل: «شدوا الضعاين»، و«قلت آه من لهيب النار»، و «إنّ هندا يرق منها المـُحيــّا»، بينما سجل عبداللطيف الكويتي لأول مرة في القاهرة في عام 1933 لدى شركة «أوديون». أما أول من سجل أسطوانة من مطربي الحجاز فهو الشريف هاشم العبدلي الذي سجل خمسة أعمال مختارة لصالح شركة ميشيان المصرية في عام 1920 ، وإن كان البعض يؤرخ بدايات تسجيل الغناء في الحجاز بقيام القنصلية الهولندية في جدة في عام 1905 بتسجيل نماذج من الغناء الحجازي الجماعي على أسطوانات. باندلاع الحرب العالمية الثانية توقف ذهاب مطربي الخليج إلى البصرة وبغداد وبمبي للتسجيل، الأمر الذي أصاب هذا النشاط بالشلل. غير أنه بعد إنتهاء الحرب، وتحديدا منذ عام 1948، عادت الأمور إلى مجراها الطبيعي، لكن بصورة أخرى. إذ كانت آلات ومعامل التسجيل قد جــُلبت إلى البحرين على يد محمود الساعاتي وأولاده الذين كانوا بمثابة وكلاء حصريون لأول ثلاث شركات تسجيل في البحرين وهي: «بيضافون»، و«هزماسترفويس» و«أوديون». وشهد العام نفسه أي 1948 إنفصال إثنين من أبناء محمود الساعاتي (وهما عبدالحسين وشقيقه عبدالرحمن) عن والدهم لإنشاء شركتهم الخاصة لتسجيل الأسطوانات والتي أطلقا عليه «شركة الأسطوانات العربية» وكان مقرها في شارع المهزع. أما ستوديو التسجيل التابع للشركة فكان موقعه في بيت من بيوت فريج المخارقة. ومما يروى أن أول أغنية سجلت فيه كانت «يحيا عمر قال» من أداء المطرب يوسف فوني ، وبعده تم تسجيل أغان في الاستوديو نفسه للمطرب عبدالله أحمد الذي قيداه صاحبا الشركة بعقد إحتكاري مقابل راتب شهري مقداره 100 روبية. هذا عن تسجيل الأغاني، أما عن تحويلها إلى أسطوانات فإن التسجيلات كانت ترسل إلى بمبي لوضعها في قوالب، وكانت العملية تستغرق شهرا، وكان الحد الأدنى لكل طلبية هو 50 إسطوانة من تلك التي كان يطلق عليها «الحجر» كناية عن ثقلها. ومن الطرائف التي تقال في هذا السياق أن أهالي فريج المخارقة بالمنامة تقدموا بشكوى إلى الشرطة ضد ستوديو الأخوين ساعاتي بدعوى أن أصوات الغناء والآلات الموسيقية تسبب لهم الإزعاج وقلة الراحة، فتم عرض الموضوع على مدير الشرطة آنذاك المرحوم علي ميرزا (والد الوزير عبدالحسين ميرزا) الذي أمر أفراده بتفكيك آلات التسجيل وحجزها. فلم يجد الأخوان ساعاتي أمامهما سوى اللجوء إلى حاكم البلاد المغفور له عظمة الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة الذي نصحهم بالتفاهم مع أهالي «المخارقة». وحينما رفض هؤلاء التفاهم نقل الأخوان ساعاتي الأمر إلى المستشار تشارلز بلغريف الذي طعن في عملية الحجز والمصادرة لأجهزتهما كونها لم تتم بأمر المحكمة ولم تجر وفق الإجراءات القانونية. وهكذا عادت عجلة الإنتاج في «شركة الأسطوانات العربية» لتدور مسجلة أغاني بحرينية لأحمد خالد هجرس وعلي خالد هجرس، وعبدالله أحمد، وأخرى عمانية لحمد بن حليس وحمد الصوري وسالم راشد الصوري وموزة سعيد وموزة خميس وشمة الخضارية، قبل أن ينفصل عبدالحسين عن أخيه عبدالرحمن في عام 1960 ، ليؤسس كل منهما شركته الخاصة للتسجيل. وهكذا يـُعزى لآل ساعاتي ليس الفضل الأكبر والدور الأهم في النهضة الغنائية في البحرين عن طريق التسجيل وانتاج الأسطوانات فحسب، وإنما أيضا تعبيدهم الطريق لآخرين لدخول هذا المجال، من أمثال جرجي وإبراهيم إسحاق سويري، و«إبراهيم وصالح أبناء عبدالقادر تقي»، ثم المطرب العماني «سالم راشد الهاشمي» المعروف بسالم راشد الصوري الذي أنشأ شركة «سالم فون» في بمبي في 1947 لتسجيل وإنتاج الإسطوانات ونقل نشاطها لاحقا إلى البحرين حيث أقام فيها منذاك وحتى عام 1971، عاملا في الحقل الفني ومنتجا للعديد من الأعمال الغنائية مثل: «يامركب الهند»، و«واصلني مرة»، و«حبيب القلب»، و«بوراشد يقول»، و«مسيت البارحة مجبور» و «نايم المدلول». وعليه شهدت حقبة الخمسينات والستينات ظهور شركات ومعامل تسجيل غنائية كثيرة مثل عرب فون، والنهضة (لصاحبهما عبدالحسين الساعاتي) والهلال وعمر الخيام (لصاحبهما عبدالكريم الساعاتي)، وإسماعيل فون (لصاحبها إسماعيل الساعاتي)، وعبدالرحمن فون (لصاحبها عبدالرحمن الساعاتي) وسالم فون (لصاحبها سالم راشد الصوري) وأنور فون (لصاحبها جرجي اسحاق سويري)، وكل هذه المعامل كان مقرها في شارع ولي العهد بالمنامة. أما شركة إبراهيم فون (لصاحبها إبراهيم إسحاق سويري) وشركة بحرين فون (لصاحبيها إبراهيم وصالح عبدالقادر تقي) فقد اتخذتا من شارع الخليفة، وشارع الشيخ عبدالله بالمنامة مقرين لهما على التوالي. ومما لا شك فيه أن وجود هذا العدد الكبير من معامل التسجيل حوّل البحرين في تلك الحقبة إلى مركز إشعاع غنائي يتقاطر عليه الفنانون من أبناء عمان والكويت ومشيخات الساحل المتصالح والسعودية لتسجيل إبداعاتهم، بدليل أن أوائل المطربين السعوديين من أمثال محمد الإدريسي، ومحمود حلواني، ومطلق الذيابي، وعبدالله محمد، وغازي علي، وشادي الرياض (سعد اليحيا) لم يجدوا مكانا يسجلون فيه نتاجهم الفني أفضل من شركتي إسماعيل فون وجرجي فون البحرينيتين، بعدما تأسست دار للإذاعة في السعودية وتوفر قسم للموسيقى فيها وظهرت مدرسة موسيقى الجيش العربي السعودي في عام 1953 بقيادة الضابط الفنان طارق عبدالحكيم. كما تذكر المصادر التاريخية ان المطرب الكويتي عبدالله فضالة السليطي، الذي عمل في اذاعة البحرين اثناء الحرب العالمية الثانية لمدة أربع سنوات، سجل العديد من «الأصوات» و«السامريات» و«اليمانيات» مثل: «غرد حمام الغصون»، و«جزى البارحة جفني عن النوم» و«ياهل المحبة» في البحرين لدى سالم فون وإبراهيم فون وجرجي فون.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها