النسخة الورقية
العدد 11177 الجمعة 15 نوفمبر 2019 الموافق 18 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

الحوار: يكون أو لا يكون؟

رابط مختصر
العدد 8823 الخميس 6 يونيو 2013 الموافق 27 رجب 1434

الكثير من منا يردد عبارة الكاتب المسرحي البريطاني الأصل وليام شكسبير المشهورة التي يقول فيها «أكون أو لا أكون هذا هو السؤال» وهي في الأصل «To be or not to be، that is the question.». اكتسبت هذه العبارة، التي جاءت على لسان هاملت في المسرحية المعنونة باسمه انتشارا واسعا في صفوف عامة الناس فاقت عبارات أخرى أكثر عمقا وردت في أعمال شكسبير المعروفة. وهناك أكثر من نص لتلك العبارة، فاختلفت طبعة 1603، عن تلك الصادرة في 1605، عن الأخيرة المنشورة في العام 1623. وربما كان للموسيقى اللفظية التي حوتها، لكن أبعد من ذلك للمعنى العميق احتضنته كل كلمة فيها، وشكلت في نهاية الأمر باقة فلسفية تحمل رسالة مجتمعية مهمة. فالفرق عند شكسبير بين « ان يكون» و»ألا يكون»، هو الفرق بين البقاء أو الرحيل على المستوى الجسدي، لكن ما هو أهم ومقصود في العبارة، هو ذلك الفرق بين الاستمرار في النضال كإنسان، من أجل الارتقاء والتطور، أو الخنوع كأي كائن مستسلم آخر يخضع لقدره، ويرفض العمل من أجل تغييره. على مدى الزمن، بدأت العبارة تأخذ المنحى الإيجابي، فباتت مترافقة مع ايحاء مبطنا بالإصرار على التمرد على الواقع، من خلال التشبث بالحياة، والرغبة لدى الإنسان في النزوع نحو «أن يكون»، ومن ثم التطور، وليس العكس. من هنا يكمن ضمنيا في قرار «الكون» ورفض «عدم الكون» خيار تحمل مسؤولية هذا القرار، وفي الاتجاه الإيجابي على المستوى السلوكي لمتخذ هذا الخيار، عند تصديه لمهمة معينة. ورغم ارتباط هذه العبارة في أذهاننا بسلوك الأفراد في معالجاتهم للقضايا التي يواجهونها، إلا إنها تطورت اليوم كي تستقر في مربع آخر مختلف على رقعة شطرنج الصراعات المجتمعية، فباتت لصيقة، أيضا، بقرارات منظمات المجتمع المدني المختلفة، الاجتماعية منها والسياسية على حد سواء، دون اغفال حقيقة أن القرارات الجماعية لتلك المنظمات، تبقى في نهاية الأمر محصلة قرارات الأفراد القادة الذين يسيرون أمور تلك المنظمات. عبارة شكسبير ذاتها تنقلنا اليوم، وفي الظروف المحيطة بالبحرين، إلى طاولة حوار التوافق الوطني الذي يقترب بخطى متلاحقة سريعة نحو شهره الرابع، وترفع علامة استفهام فيها الكثير من التحدي المشوب بمسحة واضحة من الارتباك، للمتحلقين حول تلك الطاولة: هل سيكون الحوار أم لا يكون هذا هو السؤال؟ والإجابة بطبيعة الحال في متناول أيدي المتحاورين، جميعهم دون استثناء لأي منهم. فوحدهم دون سواهم يمكن ان يحيلوا الحوار إلى جثة هامدة يهيلوا عليها التراب بعد أن يدفنوها، أو إلى جنين حي متحرك ينمو كي ينتهي به الأمر إلى انسان ناضج يعج بالحياة، ينظم العلاقات بين الفئات المختلفة المتصارعة في المجتمع، على أسس متحضرة، تسلك دروبا سلمية مستقيمة غير ملتوية. وطالما يدعي الجميع، كما تردد في سيل تصريحاتهم الذي لا يتوقف في الفترة بين جلستين متعاقبتين للحوار، أنهم يريدون له «أن يكون» ويتمسكون به «حوارا جادا مثمرا»، يبقى السؤال لماذا هذا التلكؤ، وما الذي يقف وراء هذا التعثر؟ إذا أسقطنا سوء النوايا، من قائمة العوامل المؤدية إلى هذه النتيجة التي تنذر بأن ينتقل الحوار من حالة «أن يكون» إلى تلك التي «لن يكون»، فسيبرز أمامنا سبب واحد متعدد الأوجه مقنع يفسر الحالة التي وصل إليها المتحاورون، ويغالبون أنفسهم لإخراجه منها، هو انعدام الثقة في صفوف الفرق الأربع المتجاورة على تلك الطاولة، أولا، وعجز أي منهم على التقدم بمشروع وطني شامل متكامل يحتوي على الحدود الدنيا المشترك بين جميع الأطراف، ويشكل القاعدة الوطنية المشتركة التي يمكن ان يقام فوق صرحها المجتمع الذي دعى إليه مشروع الإصلاح الوطني الذي دشنه جلالة الملك في مطلع ارتقائه سدة الحكم ثانيا. الثقة المتبادلة المطلوبة هنا بين الفرقاء المتحاورين، مختلفة جوهرا ومضمونا عن تلك التي تكتظ بها التصريحات التي تلوكها ألسنة نسبة عالية من المتحدثين إلى وسائل الإعلام التي خطف بريقها أبصار تلك النسبة، فتحولت، وبقرار ذاتي منها إلى أحد عبيد تلك الوسائل، بدلا من ان تكون هي سيدتها. ولا يحتاج المتحاورون إلى من» يتأستذ عليهم» كي يدلهم على أقصر الطرق وأكثرها سلامة نحو مصادر تلك الثقة، وسبل العمل بها. فجميع الفرقاء، قادرون، متى ما شاءوا ان يأخذوا بيد الحوار نحو حالة «أن أكون»، على إيجاد بذور الثقة الملائمة للتربة «الحوارية»، فتبقى المسألة هي كيفية سقي تلك بالمياه الصالحة التي ترعاها، وليس الآسنة التي تدمرها. الأمر ذاته ينطبق على المشروع الوطني الذي بات الحوار في أمس الحاجة له، فهناك من الوثائق السياسية التي احتوت على مثل تلك البرامج، والتي لو وجدت من يضعها جميعا في رحى واحدة، ثم يأخذ الحد الأدنى المشترك بينها، فسيفاجأ بالكثير مما هو مشترك، لكن غياب الثقة اتي تحدثنا عنها، أعمى الجميع عن رؤية المشتركات، ودفعهم كي يضعوا تحت المجهر تلك العناصر التي تثير الشقاق، وتوسع من هوة الخلاف، بدلا من إبراز تلك المشتركات والعمل من أجل نقلها من وثائقها المتعددة التي بعثرتها، إلى مجرد واحدة تلمها، وتعزز من مكانتها، وتضمن كسب الموافقة الشعبية عليها. وإلى نصل إلى ذلك، يبقى الحوار حائرا أمام عبارة شكسبير: «أكون أو لا أكون، هذا هو السؤال»!!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها