النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

سماسرة العنف السياسي

رابط مختصر
العدد 8821 الثلاثاء 4 يونيو 2013 الموافق 25 رجب 1434

تحريت الدقة المتناهية في اختيار هذا العنوان الذي قصدت انتقاء كل كلمة من كلماته الثلاث. فما يسود الشارع السياسي البحريني اليوم يندرج في قاموس العنف، وليس حسم الخلافات أو الحروب، ومن يروجون له لا يرقون إلى فئة التجار بل ينتمون إلى فلول السماسرة، والعمل السياسي هو المقصود من أولئك السماسرة قبل أي نشاط آخر. ويختلف العنف جوهريا عن الحروب، فبينما تنحصر هذه الأخيرة في تجارة الأسلحة، تتجاوزها الأولى كي تصل إلى مصاف الثقافة، التي يمكن أن تتطور نوعيا كي تصبح شكلا من أشكال الحضارة التي تسيطر على تفكير القوى النشطة سياسيا في المجتمع، ناهيك عن سلوك أفرادها ومؤسساتها على حد سواء. على نفس المنوال، وفي حين يمكن ان يصبح التاجر عضوا في فريق الإنتاج الوطني، يكتفي السمسار بموقع الطفيليين، الذي لا يكتفون بنهش جثث ضحاياهم، بل ينتعشون بامتصاص دمائهم قبل أن يجهزوا عليها. يزداد مفهوم العنف سوءا عندما يصبح اللغة الوحيدة التي يتقنها الساسة في مخاطبة بعضهم البعض، ومن ثم فهم يجهلون سواها من اللغات الأخرى، التي يمكن من خلالها الوصول إلى حلول سليمة للخلافات الناشبة بينهم. انطلاقا من ذلك يمكن فهم العلاقة بين العنف، وعوامل تدمير المجتمع الذي يتفشى فيه، إذ يكتسب العنف خطورة لا متناهية تتناسب طردا، نوعا وزمنا وامتدادا جغرافيا مع الفترة التي تسود ثقافته المجتمع الذي يتغلغل فيه، والعلاقة التناسبية ذاتها تسير آليات عيشة سماسرته، وانتشارهم في صفوف الشارع السياسي الذي يمارسون أنشطتهم فيه. من هنا يفقد العنف، وبكل المقاييس، مبررات اللجوء إليه كوسيلة متحضرة تتولى تنظيم العلاقة بين أطراف المجتمع، وفي المقدمة منها تلك التي تقوم بين الدولة وأجهزتها المختلفة من جهة، والمواطن من جهة ثانية. وتكمن الدعوة إلى التحذير من مخاطر العنف الذي بات يسيطر على آليات حركة الشارع السياسي البحريني، مجموعة من العوامل التي من أبرزها: 1. تطور أساليبه، ومعها أشكال الأدوات المستخدمة لتنفيذ عملياته، فلم تعد تلك البدائية أو البسيطة منها، بل تحولت، تلك التي يستخدمها أطرافه كافة، إلى أدوات متطورة، نتائجها خطيرة، بحيث لم يعد هناك ما يبرر السكوت عنها، نظرا لتنامي أشكال الدمار، وخاصة الاجتماعي منه، الذي تتركه وراءها على المجتمع. 2. تسارع وتيرته، فلم يعد الأمر محصورا في حوادث متفرقة، تفصل بينها فترات زمنية متباعدة، بل تحول إلى ما يشبه الظاهرة اليومية التي تتكرر بوتائر متسارعة لا تنتهي الأولى حتى تندلع أخرى مكانها. 3. اتساع نطاقه على المستوى الجغرافي، إذ تحول إلى ممارسة سياسية تتمظهر في العديد من قرى البحرين، دون ان تسلم منها مدنها، الأمر الذي ينذر بانتشاره على مستوى وطني، تصبح السيطرة عليه شبه مستحيلة، والتحكم في سلوك من يمارسه، عملية معقدة ليس من السهل توفر ضمانات نجاحها. 4. بروز فئة السماسرة الذين ترتبط مصالحهم، وتنامي ظاهرة العنف، ومن ثم أصبحت معيشتهم مرتبطة باستمراره، وزيادة أرباحهم تشترط اتساع نطاقه، وتسارع وتيرته. وكلما ترسخت ثقافة العنف، كلما انتعش هؤلاء السماسرة، وتعمق نفوذهم السياسي، وعلت مكانتهم الاجتماعية، وازداد تماسكهم المهني. 5. تراجع أشكال العمل السياسي الراقي القائم على مفردات السلم، والمنطلق من ثقافة اللاعنف، القادرة على تجنيب المجتمع ويلات العلاقات العنيفة، والأخذ بيده، عوضا عن ذلك إلى شطآن الاستقرار السياسي والأمن الاجتماعي، في اتجاه الوصول إلى حل سياسي يضع حدا لذلك العنف. 6. فتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية، التي تحكمها علاقات المصلحة المتبادلة الوثيقة مع سماسرة العنف السياسي، وبالتالي لا تتورع عن ارتداء الأقنعة الزائفة التي تسدل عليها أردية إنسانية جميلة لكنها مزورة، تخفي وراءها صورتها الحقيقية البشعة، وتحجب عن من يتعامل معها روائح مؤامرتها النتنة. 7. مصادرة حقوق، ومن ثم وأد، المحاولات الوطنية المخلصة الباحثة عن حل سياسي وطني شامل وبناء. وما هو أسوأ من ذلك، تحول أساليب المصادرة والوأد تلك إلى اتهامات تخدم سياسات مدروسة يقودها أولئك السماسرة، لا تروج للعنف وتمنهجه، فحسب، وإنما تمارس السمسرة للعنف من خلال العمل على زرع ورعاية أشكاله المختلفة، فتغرس بذلك العمل بذرة الكراهية بين فئات المجتمع، وتدق إسفين العداوة في صفوف المواطنين، وبين بعضهم البعض من جانب، وبينهم ككل، وبين أجهزة الدولة من جانب آخر. تأسيسا على كل ذلك، ومهما حاول البعض تبرير العنف، ومهما طفت على سطح نتائج ممارسته، بعض أشكال الإيجابيات الآنية المضللة، تبقى الحقيقة الناصعة تكشف سيئات العنف، وتفضح أهداف من يروجون له، وتدحض أقوال سماسرته، فليس هناك أفضل من لغة السلم وسيلة لفض النزاعات بين فئات المجتمع، ولا مجال لغيرها من أجل بناء مجتمع متحضر يعيش فوق ترابه شعب سعيد. وكأية ظاهرة اجتماعية سلبية أخرى، لا يمكن القضاء على العنف، في حال عدم توفر الرغبة الصادقة من قبل أطراف الصراع المختلفة المنخرطة فيه على وضع حد له، وسعيها الجاد الأصيل من أجل استئصال شأفته، بعد تحلي كل منها بالدقة العلمية التي يتطلبها تشخيص أسبابه، وقناعتها المطلقة بعدم جدواه. باختصار شديد ليس العنف هو اللغة التي ينبغي أن تسود سلوك الشارع السياسي البحريني، أو تنظم حركة مروره، دع عنك تحولها إلى ثقافة تسيطر على تفكير رواده. وفي غياب ذلك لا بد لنا أن نقبل لسماسرته أن يعيشوا في صفوف شعبنا، وينعمون بثرواتهم بفضل نجاحهم في الترويج له كبضاعة يفترض فيها أن تكون كاسدة، قبل أن تكون فاسدة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها