النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

حول شعار «اللاعنف» مراوغات خطابات السلمية - العنيف

رابط مختصر
العدد 8820 الإثنين 3 يونيو 2013 الموافق 24 رجب 1434

يعلن الحراك السياسي الاحتجاجي ليلا نهارا انه «سلمي مسالم حضاري»، يسعى إلى تحقيق أهدافه السياسية بانتهاج طريق «اللاعنف» وقد عزز ذلك بإصدار «وثيقة اللاعنف»، وأعتقد أن هذا الأمر في حد ذاته، ومن حيث المبدأ إيجابي، ولكن الاستشهاد بــ «سلمية الحراك» في الواقع هي المحك، لأن الكلمات لوحدها لا تكفي، والشعارات إذا لم يعززها الواقع تبقى جوفاء، ومع ذلك دعونا نتفحص في البداية منطق التركيز على « اللاعنف» أو السلمية من حيث المبدأ على الأقل، وهو في تقديري يحيلنا إلى مستويين اثنين: ـ المستوى الأول يمكن تسميته بمستوى «الإحالة الضمنية» في الخطاب السياسي ـ الإعلامي إلى نقيضه، و»بضدها تعرف الأشياء» مثلما يقال، حيث هنالك إحالة ضمنية إلى نقيض اللاعنف، أي الإحالة على «الحراك العنيف في بلدان أخرى»..كنموذج آخر يساعد على إقامة المقارنة الفجة، بحيث يبدو العنف الممارس محليا «لا شيء» مقارنة بالتمرد المسلح في تلك البلدان مثل سوريا وليبيا مثلا. ـ المستوى الثاني: يمكن ان نسميه مستوى قلب الصورة، وهو الخلط بين العنف «المشروع ـ القانوني» وهو الذي تمارسه أجهزة الأمن لحفظ النظام وفقا لما ينص عليه القانون، وبين الفوضى والاضطرابات العنيفة والاعتداءات التي يمارسها الخارجون عن القانون بمستويات متفاوتة من التعدي، بحيث يتم هنا الحديث عن عنف أجهزة الأمن في محاولة لخلط الأوراق والتبرؤ من إدانة العنف «عامة» حتى ولو بالعبارة العائمة: «مهما كان مأتاه» للإيحاء بأن العنف الحقيقي هو العنف الرسمي. وبالعودة إلى محك الواقع ماذا نجد بالضبط، وبشكل موضوعي؟ منذ الأيام الأولى للأحداث فــ «هذه السلمية» ارتبطت وترتبط إلى اليوم بمفهوم» الانقلاب» على الشرعية، وليس بمفهوم الممارسة الديمقراطية المدنية الشرعية، ولذلك فإن المفهوم يجب إن ينظر إليه على انه جزء من تكتيك يستهدف إنهاك النظام، من خلال ما يمكن تسميته بالسلمية العنيفة لأن هدفها النهائي تغيير نظام الحكم ويمكن رصد بعض أشكال عنف السلمية على النحو الجاري في الواقع: أولا: المظاهرات كمُعبر رئيسي عن المكون السلمي للحراك الشعبي، مازالت تنتظم في أكثر من مكان ومناسبة، وتشتد بمجرد سقوط أحد الضحايا «وان لم تسقط ضحية يمكن تحويل الموت العادي إلى حالة استشهاد للتحشيد»، ويتم نقل صورة هذا الاحتشاد على انه معبر عن حالة عنف رسمي واضطهاد لا إنساني، ومن ثمة يتم الحرص على الاستمرارية وعدم التراجع مهما كلف الثمن. ثانيا: مواكبة الاحتشاد بتوزيع المنشورات والكتابة على الجدران في كل مساحة يمكن الكتابة عليها لنقل شعارات «السلمية» التي تدور في مجملها حول التسقيط والإساءة إلى السلطة السياسية والعمل على الحط من مكانتها في القلوب والنفوس وتسهيل عملية التطاول عليها وجعلها معتادة بصريا وسمعيا. ثالثا: الظهور الإعلامي «بما في ذلك الفضائي والإذاعي والاجتماعي» لعدد من الافراد الذين تم أعدادهم في المعاهد الأمريكية ليكملوا الصورة من خلال التحريض اللفظي والسياسي، وربما اقتضى الأمر اللجوء إلى تغيير الحقائق بشكل منتظم. رابعا: إكمال الصورة من خلال استغلال المنبر الديني الذي تحول في بعض الأحيان إلى المبرر الرئيسي لعنف السلمية و الدفاع عنه.. خامسا: الاعتداء المتعمد والمبرمج مسبقا على رجال الأمن في سياق العمل على كسر صورة رجل الأمن وإضعافه أمام الجمهور، وقد كان واضحا ان هذا المبدأ الذي يشار إليه في «دليل الاستخدام السلمي» الذي يدرس في أكاديمية التغيير الأمريكية هو من أكثر المبادئ تنفيذا على ارض الواقع. سادسا: دمج الخارج في الشأن الداخلي، سواء من خلال التصريحات او البيانات الإعلامية والسياسية او من خلال فتح باب الإعلام المعادي ليكون جزءا لا يتجزأ من هذا الحراك السياسي» السلمي» المنسق له سلفا مع القوى الخارجية، ليكون بدوره شكلا أخر من أشكال عنف السلمية. وبغض النظر ـ ما إذا كان العنف الممارس على الأرض تديره جماعات فاشية على يسار الحراك المعارض مثلا ام لا ـ فإنه من الواضح ان هذا العنف يتواصل معززا بالتبرير والتأويل والتهليل والإعلان عن «التعويل على سواعد الثوار في الحوار».. المشكلة في الواقع أنه ليست الحرية والديمقراطية ـ رغم كل الظواهر والادعاءات ـ هما ما يدفعان الحراك «السلمي العنيف» إلى الأمام على الأرجح، وإنما النزعات الطائفية الغريزية الانتقامية «الناجمة عن التحريض وتشويه الوعي وغرس الكراهية» هي ما يوجه ويحكم أغلب الأفعال، لأن إصلاح النظام ليس هو الخيار الاول والرئيسي وفقا لمنطق الاجتثاث و»الرحيل» و«السقوط»، بل المطلوب هو التصفية. إن اللاعنف يستلزم نزع سلاح الانفعالات والرغبات الجامحة والمشاعر المنفلتة من عقالها، ويستدعي رفض العنف مبنى ومعنى ورفضه تبريرا وتهليلا، ورفضه اعتبارا للقتل والسحق عملا مشروعا، اللاعنف الحقيقي يبدأ من سلوك منهج السياسة، والسياسة كنقيض للعنف، فالسلمية الحقيقية تعني انتصار فعل العقل والقلب المنفتحين على فعل الغريزة، وتعني انتصارا على ثقافة استحضار العداوات الوهمية من أعمق أعماق التاريخ ومماثلتها على قياس الوقائع الجديدة..ولكن المشكلة التي تواجه أصحاب نظرية «سلمية العنف» أن السلطة قد نجحت إلى حد الآن في ضبط نفسها وترشيد العنف القانوني لاستيعاب حالات الاحتجاج العنيف، في مواجهة سلطة تعمل على إصلاح نفسها وتعزيز الديمقراطية والشراكة، وبذلك فإنه لن يكون من الممكن تسويق «السلمية» في هذه الحالة إلا كحالة من العنف. جملة مفيدة «يقول مهاتما غاندي: «الأفضل حين تصلي أن يكون لديك قلب بلا كلمات بدلا أن تكون لديك كلمات بلا قلب».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها