النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

حوار «توم وجيري»

رابط مختصر
العدد 8819 الأحد 2 يونيو 2013 الموافق 23 رجب 1434

لم يكن هدف مبتكري المسلسل الكارتوني «توم وجيري» جوزيف باربيرا و ويليام هانا محصورا، كما يعتقد الكثيرون منا «في مجرد إدخال البهجة في نفوس الأطفال، رغم اهمية ذلك الهدف وسموه، لكنهما كانا يروجان أيضا لأفكار فلسفية يدركها من يشاهد المسلسل من الكبار في السن، عندما يتمعنون بعمق في التحولات التي يجريها المؤلفان عند رسم التعبيرات على وجوه وحركات شخصيات ذلك المسلسل الشهير، وفي المقدمة منهم الشخصيتين الرئيستين القط توم، والفأر جيري». نذكر على سبيل المثال لا الحصر، طريقة مشي جيري، وهو يسرق الجبنة من ثلاجة المنزل، ففيها الكثير من الثقة والاطمئنان، وكأنه يقول للمشاهد أنا لا أقوم بما يمكن أن يخالف القيم والمثل العليا، فأنا «أستعيد حقي في الأكل». مشاهد أخرى يمكن استعادتها، لكن ليست هي الأهم في فلسفة المسلسل، والتي تحاول أن تزرع الشك في قلب المشاهد، وتشعل نيران التساؤلات العمية في ذهنه، منصبة حول تساؤل في غاية الأهمية يقول: « من هو المذنب الحقيقي، ومن هو الضحية بين الشخصيتين الرئيستين، وهما توم وجيري»؟ يلح ها التساؤل الفلسفي على المشاهد، عندما تنتهي المطاردات المتبادلة بينهما، التي تستخدم فيها جميع الأسلحة المتاحة في المنزل من عصا المكنسة، إلى عود الثقاب لإشعال البارود، مرورا بالتيار الكهربائي الصاعق، دون ان ننسى قطع الأثاث الثقيلة التي لا يكف جيري عن استخدامها في سياق محاولاته توفير أفضل أشكال الحماية لنفسه. .... إلخ. لذا ومع انتهاء كل حلقة في ذلك المسلسل الشهير، تقفز علامة الاستفهام تلك مطالبة المشاهد بتحديد موقف من تلك الصراعات، التي تارة يجد نفسه يتعاطف فيها مع جيري، لكنه لا يلبث أن يتحول نحو توم، عندما يأخذ هذا الأخير مكان الضحية، بفضل أساليب جيري. رسالة أخرى يرسلها المؤلفان في نهاية كل مشهد يحتدم فيه الشجار وتصل الأمور إلى تعرض حياة واحدة من الشخصيات إلى الخطر القاتل، نجد الشخصية الأخرى لا تعدم وسيلة من أجل انقاذ من يتربص بها الموت هذه الخلفيات الفلسفية وردت على ذهن المواطن العادي بعد أن تلقى أخبار «انهيار» جلسة الحوار الأخيرة، والدعوة لجلسة تعقد يوم الأربعاء القادم، لكن بعد ان فقدت جلسات الحوار الثلاث عناصر الرئيسة التي كانت وراء نجاح المسلسل، وفشل الحوار، والتي يمكن حصرها في النقاط التالية. 1. الحيوية، إذ يكتظ المسلسل بالمشاهد الحيوية التي تسمر المتابع في مقعده، وترغمه بقرار ذاتي مستقل على المتابعة، في حين تبعث جلسات الحوار الملل المطعم ببذور اليأس التي تحث المواطن على عدم متابعة ما يجري في ردهات حجر الحوار، ولا تشجعه على التلهف لمعرفة النتائج الممكنة التي يتوقع أن تؤول إليها نقاشاته، فقد بلغت محاضر الجلسات درجة من الرتابة التي يسيطر عليها التكرار، ويسيرها الاجترار. ولا ينبغي التقليل من أهمية ودور الحيوية في إنجاح أي حوار ممكن. فهي التي تشحنه بالوقود الذاتي الذي يمده بالحركة والتقدم اللذين لا يستطيع أي حوار الاستغناء عنهما من جانب، وتوفر له الدعم الخارجي من قبل المتابعين الذي يزوده هو الآخر بالطاقة التي يحتاجها من أجل الإنجاز وتحقيق المكاسب. 2. الإثارة، فإلى جانب الموسيقى التصويرية المتميزة المصاحبة لكل مشهد في ذلك المسلسل، هناك عناصر الإثارة المستمدة من الأفكار الجديدة الخلاقة التي تصنع تصوير المشهد ذاته، الذي يتحول بفضل ذلك الجهد المبذول وراءه، إلى لوحة فنية تثير من يشاهدها، وتشده إلى البقاء والمتابعة والتمعن في تفاصيلها الدقيقة إن كان يريد نيل المتعة الحقيقية من وراء المشاهدة. الحالة مناقضة لذلك لدى من يتابع جلسات الحوار التي تحولت، بعد أن وصلت إلى الحلقة (الجلسة) الثامنة عشر إلى صور شبة صامتة خرساء، لا تضيف الواحدة منها أي شيء جديد إلى الجلسة التي سبقتها. تشابهت الحلقات، فاكتسبت الرتابة القاتلة التي باتت تهدد الحوار برمته، وتنذر بالمستقبل الغامض الذي يتربص به. 3. المصداقية، فقد حرص مؤلفا المسلسل على تصوير الشخصيات بدقة متناهية فتخلصا بفضل ذلك من كل تزييف بمكن أن يشوه خلقة تلك الشخصيات أو سلوكها، فجاءت المشاهد انعكاسا حقيقا معبرا بصدق عن كل ذلك. الأمر مختلف على طاولة الحوار، حيث يصر المتحاورون على اجراء عمليات جراحية يخفون بها معالم صورتهم الحقيقية، بغض النظر عن مدى الحسن، أو درجة القبح الناتجة عنها، وحين تفشل تلك العلميات، يتناولون أقرب قناع تطاله أيديهم، كي يظهرهم بالصورة التي يريدون من المواطن أن يراهم بها، حتى وإن كانت تخفي ما يبطنون. كانت محصلة كل ذلك حوار مشوه، وصلت درجة التشويه فيه مستوى عاليا يقترب من التزوير غير المبرر في حوار يدعي أنه يسعى إلى انتشال البلاد من مأزقها. كل ذلك لا ينبغي أن يدخل المواطن في دائرة ضيقة تسيطر عليها روح التشاؤم، وتحركها عوامل اليأس، إذ لا يزال هناك بصيص من الأمل، أو كما يقال يوجد ضوء، وإن كان باهتا في نهاية النفق المظلم. لكن الخروج من دائرة التشاؤم، وعبور النفق المظلم، يحتاج إلى من يحمل الشجاعة الكافية التي تأخذ بيد الحوار والمتحاورين نحو المعادلة الصحيحة، وليس ذلك بالمستحيل على من يضع مصلحة البحرين، فوق كل المصالح الضيقة الأخرى. حينها فقط سيتخلص الحوار من صورة مسلسل «توم وجيري» المسخة، ويرتدي حلتها الفلسفية العميقة. فيتمتع بالحيوية التي فقدها، ويكتسب عناصر الإثارة التي يحتاجها، ويستعيد مقومات المصداقية التي فقدها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها