النسخة الورقية
العدد 11153 الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 الموافق 22 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:38PM
  • المغرب
    5:04PM
  • العشاء
    6:34PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

عن الاستبداد والديمقراطية!!

رابط مختصر
العدد 8817 الجمعة 31 مايو 2013 الموافق 21 رجب 1434

تنوع تجارب الدول واختلاف ممارساتها للديمقراطية يعطيان الإنسانية آفاقا للتقييم والتقويم؛ ذلك أن التنوع والاختلاف يتيحان للإنسان أن ينطلق من فضاء الممارسات الصحيحة التي يقوم بها آخرون ينتمون إلى بيئات مغايرة؛ ليقارن ممارساته بممارسات الآخرين ويقارب المسألة الديمقراطية من زوايا نظر أخرى تتيح له إمكانية إعادة النظر في ما يفعل، ومن ثم مراجعة مختلف تصوراته لمفهوم تشترك فيه البشرية جمعاء وتختلف في زوايا النظر إليه وفقا لما ينبغي أن يسيج كل عملية إدراكية من مقتضيات يفرضها المكان والزمان. فالديمقراطية واحدة لا تتجزأ وتطبيقاتها مختلفة بحسب أنساق تطور المجتمعات ولا شك أن الديمقراطية الحقة هي تلك التي تتيح متسعا للمواطنة لكي تنشر قيمها، وتسمح بأوفر قدر من الحقوق والحريات السياسية والمدنية التي تدعم سعي المواطن إلى تحسين مستوى عيشه المادي والمعنوي، من دون الدخول في متاهات أسئلة القيم والعادات والتقاليد، ولا نقول ذلك تقليلا من شأنها وإنما تجاوزا لمثبطاتها ودرءاً لإمكانية تشويه أو تحريف قد تُتاح لأعداء الديمقراطية. إن القيم والعادات والتقاليد، من وجهة نظري، ما هي إلا ذرائع وأعذار سليطة تحتمي بها الأحزاب الشمولية والدينية؛ لتبيح لنفسها توظيف الموروث في تكريس استحكاماتها الفكرية، وتعميم فظاعاتها الإقصائية. ولعل استحضار موقف عيسى قاسم المعطل للقسم الجعفري من قانون أحكام الأسرة في هذا السياق يعطي دلالة واضحة على ما نقول. وعليه لا ينبغي أن يقنع المواطن بديمقراطية لا توفر له الحرية التامة، وتسخر مقدراته المادية والمعنوية في تنمية مجتمعه، فأي حديث عن ديمقراطية من دون حريات هو كذب صريح. فلذلك يحكي لنا التاريخ تجارب كثيرة تغنت بالديمقراطية وأطربت سامعيها لكنها لم تنجح في جلب من أطربت إلى المشاركة في ساحة الرقص! إن الديمقراطية التي تم التحقق من فاعليتها في إدارة الخلافات والاختلافات هي قدر الشعوب، وخيارها الوحيد، حتى الآن، للحد من سطوة المال والإيديولوجيا والقيم التي تشكل مجتمعة أو منفردة، وقودا يشغل ماكينة الاستبداد. وعلى سبيل المثال فإن الاستبداد الذي أتكلم عنه هنا هو ذلك المماثل للذي تسوقنا إليه الجمعيات الراديكالية، مذهبية ويسارية، يرتبط بوضع هالة من القداسة الدينية تقترب من الألوهية حول شخص ما في المجتمع المتنوع كما هو شأن الهالة التي يحيط بها بعض الجماعة عيسى قاسم، اقتباسا من التجربة «المثال» بالنسبة إليهم في إيران. وكلنا نتذكر بمرارة حفلة الزار التي أقامتها جمعية «الوفاق» لمجرد تفتيش منزل عيسى قاسم الذي أُحيط بهذه الهالة وكأن راحة «قداسته» أعلى من هيبة الدولة وسلطة القانون وأمن الوطن. لا ينبغي علينا، في هذا الإطار، أن ننخدع بالموقف الذي أبدته التيارات الإسلامية، سنية وشيعية، والذي دافعت فيه عما سمي «بالربيع العربي» إذ أنها الوحيدة المستفيدة منه بحسب معطيات هذا «الربيع»، ولا عن الديمقراطية التي تفصل بمقاسات أفهام هذه التيارات الإيديولوجية والسياسية والثقافية؛ ذلك أن الديمقراطية هي الآن رافعتها الشعبية في المشهد السياسي لكسب تأييد الشارع وتبوؤ صدارته. وها هي الوقائع تشير إلى أن هذه القوى استثمرت فورة، ولا أقول ثورة، شعوبها وغضبها ضد الطغيان والاستبداد حتى دانت لها السلطة ثم انقلبت على شعوبها وتنكرت لها بعد ذلك بأسرع من لمح البصر، وعن ذلك فتشوا في تجربة شعبي تونس ومصر اللذين بدلا من الخلاص من مستبد عابر باتوا يستعدون لتجربة دكتاتورية جديدة مغلفة بمسوح المقدس وشرعية السماء، منذرة بشتاء أراه طويـــــــــــلا ولا أدري كم الدماء التي ستسيل للخلاص من أوزاره. ثم إن تيارات الإسلام السياسي هي أول من يقف في وجه حرية التعبير مثل ما تقتضيها الديمقراطية، وفي طليعة من يحجر على الرأي، وحرية التعبير والرأي - كما لا يخفى على عاقل - عنوانان مهمان في يافطة الديمقراطية، فلن يكون الديمقراطي ديمقراطيا إلا باعترافه بالحريات العامة والشخصية من دون تضليل أو مماوهة، فهل تؤمن تيارات الإسلام السياسي من دون استثناء، بالحريات العامة والشخصية وتقدر أدوارها في تنمية المجتمعات؟ أعتقد أن استحضار تجربة هذه القوى في السلطة كفيل بتبيان عدم الاستدامة في تفعيل الديمقراطية منهاجا للحكم، ولن أستشهد هذه المرة بتونس ومصر بل بتركيا التي يُديرها الآن حزب إسلامي بلغت فيه المضايقات التي يتعرض إليها الصحفيون وفقاً لتقارير الهيئات المختصة حدودا غير مسبوقة. ورغم سحر الديمقراطية فإنه لا ينبغي أن نؤخذ، نحن معشر الناس، في فضائنا العربي الذي تُفرغ فيه الأحزاب الدينية والراديكالية، مذهبية ويسارية، المفاهيم من دلالاتها وتطوعها لخدمة أهدافها الغارقة في النرجسية، فتنحرف بها لتستوي مطية تمرر عبرها مقاصدها التي هي بالتأكيد في اتجاه معاكس لمقاصد المجتمع وهمومه ومشاغله وأهدافه. وهذا ما سعت إليه جمعية «الوفاق» وأضرابها من المذهبيين واليساريين الذين أضاعوا البوصلة، وعملوا على ربط البحرين بإيران من خلال المطالبة بديمقراطية تنكر ما أُنجز منذ ربيع الميثاق الوطني وتتغافل عنه لبنة أساسية في إشادة صرح البحرين الجديدة، ولا تلبي طموحات الشعب في الكرامة وبنعمة الاستقلال. نعم إن الديمقراطية شكل متقدم من أشكال الممارسة السياسية والاجتماعية والفكرية، ومن أهم ضمانات ديمومتها احترام حقوق الإنسان وما تتضمنه هذه الحقوق من حرية الرأي والمعتقد وغيرها من منحوتات الفكر الإنساني، فهي لن تنجح في أن تكون إطارا للحكم ما لم تتوافر على تيار عريض يؤمن بها ويوسع من ممارساتها في الأطر الحزبية والمؤسسات المجتمعية، ويقطع مع القدرية والتواكلية في تصريف شؤونه ويقبل بالرأي الآخر في ممارساته، ويجعل منه متكئاً يعول عليه في إثراء الرؤى، وتعدد زوايا النظر والتوصل إلى حلول محكمة وصحيحة تنتشل المجتمع من براثن النظرة الأحادية القاصرة. ذلك أن الرأي الآخر عمق ثقافي يوفر مصدرا جديدا للثراء المعرفي، وتشكل الديمقراطية مساحته وفسحته لممارسة دوره في تعميق التنوع، وتصحيح المسار إن حصل انحراف أو لوحظ ميل إلى الاستبداد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها