النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

الشعب لا يغيب عن صوت شعرائه

رابط مختصر
العدد 8817 الجمعة 31 مايو 2013 الموافق 21 رجب 1434

استقبل الشاعر «أحمد فؤاد نجم» عامه الخامس والثمانين يوم الأربعاء الماضي، واحتفل أصدقاؤه وتلاميذه بعيد ميلاده في أمسية غنائية أحيتها فرق شبابية تضم شعراء وملحنين ومطربين تأثروا بظاهرة الثنائي الذي شكله مع صديقه الملحن والمغني الراحل الشيخ إمام عيسى وهي فرق أخذت على عاتقها أن تحافظ على تراثهما، وتراث المدرسة الغنائية التي ينتميان إليها، والتي ضمت أسماء لمعت كالشهب في سماء الغناء العربي من سيد درويش وسيد مكاوي وزكريا أحمد والأخوين رحباني وفيروز ومارسيل خليفة إلى بديع خيري وبيرم التونسي وفؤاد حداد وصلاح جاهين وآخرين ضاعوا في زحام الأغاني الهابطة التي انتشرت كالوباء في زمن الانحطاط. وهي مدرسة سعت لتخليص الغناء العربي من التأثيرات العثمانية التي سادته خلال القرن التاسع عشر واستوحت كلماتها وإيقاعاتها من التراث الشعبي وجمعت بين نداءات الباعة المتجولين وأغاني حفلات الزفاف والطهور وبين أناشيد الذاكرين في حلقات الذكر، ودفوف مواكب الطرق الصوفية في مواليد أولياء الله، وبين تهنينة الأمهات للأطفال وجنائزيات البكاء في وداع الموتى. وكان الانتماء إلى هذه المدرسة في الغناء هو الذي جمع ـ عام 1962 ـ بين الشاعر الصعلوك أحمد فؤاد نجم، الذي كان قد غادر السجن بعد عامين قضاهما فيه بتهمة اختلاس عهدة رسمية وبين قارئ القرآن الكفيف، وملحن ومغني التواشيح الدينية الشيخ إمام عيسى. وحين التقيا كان «نجم» في الثالثة والثلاثين من عمره وكان «إمام» في الرابعة والأربعين، وكان الأول قد ترك الكتّاب بعد وفاة أبيه ليعمل بالحقول ثم التحق بملجأ للأيتام الفقراء أودعته أسرته به ليمضي به تسع سنوات استكمل خلالها تعليمه الأساسي وتعلم مهنة تفصيل الملابس، ثم غادره ليعمل صبي ترزي ثم بائعا متجولا يتقافز بين عربات الترام ليبيع بضاعته من السلع التافهة، ثم عاملا في مصنع للنسيج وكاتبا للأنفار في أحد التفاتيش الزراعية المملوكة للأسرة المالكة ثم ترزيا بمعسكرات قاعدة جيش الاحتلال البريطاني بمنطقة قناة السويس، وحين ألغت الحكومة معاهدة 1936 كان واحدا من أول ستة عمال استجابوا لندائها بالاستقالة من عملهم بجيش الاحتلال، وكافأته الحكومة بتعيينه عاملا بمحطة للسكك الحديدية ثم موزعا للخطابات ثم عاملا في ورش النقل الميكانيكي وهي الوظيفة التي انتقل منها إلى السجن بتهمة الاختلاس. ولم تختلف مسيرة حياة الشيخ «إمام» عن مسيرة حياة «نجم» فقد كان لايزال طفلا رضيعا حين أصيب بالرمد الحبيبي، فعولج بحشو عينيه بروث البهائم، حتى فقد بصره وعندما ختم القرآن أودعه أبوه في ملجأ تابع للجمعية الشرعية الإسلامية، حيث أكمل تجويد القرآن وغادره للعمل مقرئا للقرآن ومؤذنا في المساجد، وهوى العزف على العود ودرسه حتى اتقنه وتفوق فيه، واحترف إنشاد الموشحات والتواشيح الدينية وعمل منشدا للأذكار، وحفظ طائفة كبيرة من الموشحات والطقاطيق والأدوار القديمة وعمل ملحنا من الباطن للتواشيح الدينية التي كان يذيعها أحد المنشدين في الإذاعة باسمه. وكان «نجم» هو من اكتشف موهبة التلحين لدى «إمام»، وهو الذي كتب له أولى الأغنيات التي لحنها.. وما لبثت ألحانه أن اجتذبت إليها أسماع الذين كانوا يبحثون عن غناء من نوع مختلف يستوحي الموروث الشعبي ويستكمل الدور الذي لعبه «سيد درويش» في تجديد الغناء المصري ومات مبكرا قبل أن يتم رسالته. وكان لا بد وأن تقع هزيمة 1967 ليكتشف الاثنان أن الدور الذي أهلا له يتجاوز تجديد الغناء إلى تحويله إلى سلاح للمقاومة الوطنية والسياسية فتتالت البيانات الشعرية التي يكتبها «نجم» ويلحنها «إمام» تدعو إلى رفض الهزيمة والتصدي لها، وتعلق فأسها في عنق الذين صنعوها، وليس عنق الذين ذهبوا ضحايا لها وتعبر عن صمود الصعاليك الذين ينتمون إليهم من سكان الأزقة والحواري، في مواجهتها وعن إصرارهم على محو آثارها. ووجدت هذه البيانات الشعرية صداها لدى جيل جديد من طلاب الجامعات نهض آنذاك، ليرفض كل الحلول التي تدعو للاستسلام للهزيمة وللصلح مع العدو فيتبناها ويتخذ منها شعارات يتغنى بها في مظاهرات وهتافات يشدو بها في مسيراته. وعلى امتداد سنوات ظلت أشعار «نجم» وألحان «إمام» إنشودة للمقاومة المصرية والعربية إلى أن جاء الزمن الذي نفدت فيه قدرة العرب على المقاومة وقرر الرئيس «السادات» أن يقوم بزيارته الشهيرة للقدس المحتلة.. وبعدها بأيام اقتيد «نجم» إلى محكمة عسكرية قضت بسجنه لمدة عام بتهمة تقليد أسلوب الرئيس «السادات» في الخطابة بطريقة هزلية. ومنذ ذلك الحين بدأ العد التنازلي لاختفاء «ظاهرة نجم/إمام» وتراجعت الحركة الشبابية، التي واكبت صعودها، واختفت مع اختفائهما وتفكك الثنائي الذي ظل يغني لرفض الهزيمة.. ومزقته الخلافات الشخصية، وتوقف التعاون بين «نجم» و«إمام» ليعود الاثنان فيظهران في ميدان التحرير بالقاهرة، أثناء ثورة 25 يناير 2011، حين بحث جيل جديد من الشباب احتشدوا في الميدان عن أشعار يلقونها أو ألحان يتغنون بها فلم تسعفهم الذاكرة إلا بأشعار «نجم» وألحان «إمام» ليتأكد للجميع أن الشعب ـ كما يقول جورج أمادو ـ لا ينسى وجه أبطاله، ولا يغيب عنه صوت شعرائه!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها