النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

صالة الحوار الرياضية

رابط مختصر
العدد 8816 الخميس 30 مايو 2013 الموافق 20 رجب 1434

في الصالات الرياضية يجري تأهيل الأبدان وتدريب العضلات الجسمانية كي تكون قادرة على تأدية وظائفها على الوجه الأحسن. الأمر ذاته ينطبق على صالات الحوارات السياسية التي يفترض فيها أن تكون الأماكن الأكثر ملاءمة للتأهيل السياسي، لكنها وبدلا من معالجة العضلات الجسدية، نجدها تخاطب الخلايا الدماغية. وتماما كما يجري في الفرق الرياضية التي تبدأ من التأهيل الفردي، ثم تعرج على ذلك الجماعي للفريق الواحد، قبل ان تصل إلى فنون التعاطي مع الخصم، كي تحط رحالها عند محطة تبني مدرسة رياضية معينة، مثل المدرسة الأمريكية اللاتينية، أو الأوروبية، او حتى في نطاق القارة الواحدة، كما جرى في البطولة الأخيرة لكأس الأبطال الأوروبية، حيث كان الحديث مطولاً عن المدرسة الألمانية في كرة القدم، نجد الأمر مشابها في الحوارات السياسية، التي تبدأ بتأهيل الأفراد في نطاق التنظيم السياسي الواحد، ثم تنتقل إلى تدريب الجمعية أو الحزب، وفي أحيان كثيرة جبهة التحالف على كيفية اكتساب مهارات الحوار بشكل جماعي، قبل ان تنتقل إلى أساليب المطارحات السياسية ودحض طروحات الخصم بالحجج الراسخة المقنعة، كي تصل في نهاية الأمر إلى الانتماء إلى مدرسة معينة، مثل المدرسة البريطانية، او المدرسة الفيتنامية، أو المناهج الصينية. عمليات «التأهيل الحواري»، إن جاز لنا الاستعارة، التي نتحدث عنها يمكن ان تتبلور في المعالجات التالية: 1. تأهيل الأشخاص على المستوى الفردي، تتم من خلال غرس مفاهيم وآداب الحوار في كل فرد من أفراد الفريق المتحاور، كي يكتسب المهارات الفردية الضرورية للدفاع عن أهداف الفريق الي ينتمي إليه، وهنا يجري التركيز على المؤهلات الذاتية المحضة، فيتم تقليص الجوانب السلبية فيها، وتنمية تلك الإيجابية من بينها. هذا يجعل من عملية اختيار أفراد الفريق المرشحين للدخول إلى صالات الحوار عملية معقدة، تستتبعها متطلبات أخرى تختص برعاية الكفاءات الفردية. هذا يفترض أن مواصفات الحوار الفردية، هي معيار سياسي لا يخضع بشكل مطلق للهيكلية التنظيمية، ولا يكون أسير المراتب القيادية، إن كان يراد للفريق المشارك في الحوار أن يحقق المكاسب المطلوبة من جهة، وأن ينجز الحوار بشكل عام الأهداف التي من أجلها جرت الدعوة له من جهة ثانية. 2. تأهيل الفريق المحاور جماعياً، وهي عملية أكثر تعقيداً من تلك المتعلقة بالتأهيل الفردي، حيث يقتضي التأهيل الجماعي، محاربة النزعة الفردية، وتقليص حضور ظاهرة «الأنا»، كي يتحقق الذوبان الذاتي، دون التفريط في المؤهلات والمهارات الفردية، في البوتقة الجماعية، كي يتسنى للفريق المحاور أن يعزف المقطوعة الموسيقية على النحو المطلوب، دون ان تشوهها النواشز الباحثة عن مكاسب شخصية محضة. مثل هذا التوازن الإيجابي الدقيق، الباحث عن هارمونية منتجة، بحاجة إلى مدرب خبير، وقائد حاذق، ولا يمكن الوصول إلى النجاحات المتوخاة، في حال غياب أي منهما، او عند تباين سلوكهما. هنا تبرز حنكة الجهة السياسية التي تقف وراء الفريق المحاور، من خلال نجاحها في التوفيق بين مدرب الفريق، وقائده، وإخضاعهما سوية لبرنامج تلك الجهة، وتسخير جهودهما المشتركة لخدمة الأهداف التي تقف وراء مشاركة تلك الجهة في الحوار. 3. تشذيب سلوك الفريق المحاور موضوعيا، كي يكتسب مهارات التعامل مع المنافس أو الخصم التي تؤهله لكسب الجولة الأخيرة لصالحه. فن الحوار هنا يتطلب اكتساب مهارات التحديد الدقيق للحظة اختراق صفوف الخصم، ومرونة التراجع وتقديم بعض التنازلات عند الحاجة لذلك، وإرباك الخصم بنشر الفرقة في صفوف أعضائه. لكل من هذه المهارات قوانين، تقف سدا منيعا أمام بعض الظواهر التي يكن وصفها بـ «الفهلوات السياسية»، التي سادت الكثير من طاولات الحوارات التي نصبت بعد هبوب رياح ما أصبح يعرف باسم «الربيع العربي» على البلاد العربية. النقطة المركزية هنا، والتي تتمحور حولها متطلبات إنجاح أي حوار محتمل، هو تحلي الطرف الراغب في الوصول بسفن الحوار إلى بر الأمان، بصفة القبول لما يقوله الطرف الآخر، بعد الاستماع له بشكل موضوعي غير منفعل. 4. اختيار مدرسة حوارية معينة، والانتساب لها فكرياً، وهذه هي الأخرى ليس بالمهمة السهلة أو التلقائية، كما قد يتوهمها البعض. فبعد الانتساب تأتي مرحلة اخضاع الفريق المتحاور نفسه لمفاهيم وقيم تلك المدرسة، وتطبيقها بشكل خلاق في جلسات حواره مع الطرف الآخر. هنا تبرز قدرة المزج الإبداعي بين التفكير الكوني، والتطبيق المحلي. أو كما يقال في اللغة الإنجليزية «Think Global Act Local». عملية «التعريب»، أو في حالة الحوار المحلي «البحرنة»، عملية معقدة، لا تكتفي بالنقل الأعمى، او التلاوة الغبية. فبعد الفهم النظري لمقاييس مقولات المدرسة المعنية، يأتي دور نقلها إلى حيز الواقع المعاش، أخذا بعين الاعتبار الظروف المحلية المحيطة، وفي المقدمة منها الخلفية الفكرية والعقيدية التي تسير مداخلات القوى المشاركة في عمليات الحوار القائم. تأسيساً على كل ما تقدم، وفي ضوء المسارات التي سلكها «حوار التوافق الوطني» في البحرين، ربما أصبح من الملح ان تراجع الفرق المشاركة في الحوار، على المستوى الفردي الخاص، والسياسي المؤسساتي العام، سلوكهم على امتداد الفترة الماضية، منذ انطلاق جلسات الحوار في العاشر من فبراير 2013، لعلهم يجدون فيما ورد أعلاه، دون أية «أستذة» غير مبررة، ما يمكن أن يعيننا جميعا على مساعدة الحوار على تسريع خطوات جلساته، بشكل إيجابي، وعلى الطريق الصحيحة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها