النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

بناء الكتلة التاريخية الوطنية للخروج من المأزق

رابط مختصر
العدد 8815 الأربعاء 29 مايو 2013 الموافق 19 رجب 1434

نستعير في هذا المقال مصطلح «الكتلة التاريخية» من المفكر اليساري الايطالي انطونيو غرامشي الذي كان أول من اقترح طريقا يختلف عن المنطق الثوري الماركسي الذي كان سائدا في بداية القرن الماضي وهو ما اسماه بطريق الإصلاح من اجل التغيير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي يناسب معطيات المجتمع الإيطالي وواقعه في زمنه، دون ان نستعير تفاصيل الرؤية وخلفيتها الأيديولوجية وتفاصيلها. وذلك من أجل الحفاظ على المكتسبات الوطنية التي تحققت في ظل المشروع الإصلاحي وللحفاظ على وحدة المجتمع وتضامنه لترسيخ وتعزيز دولة المواطنة والمساواة والحرية، الدولة المدنية التي تحترم الإنسان وحقوقه وكرامته وحقه في الاختلاف، ومن أجل ذلك نحتاج إلى بناء الكتلة الاجتماعية - السياسية المؤلفة مما يمكن أن أسميه «بتحالف العقلاء» بالمعنى الفلسفي والسياسي للعقل، من أجل الخروج من حالة التجاذب السياسي والتنابز الطائفي والاجتماعي، وهو ما يتطلب توحدا لقوى الاستنارة والإصلاح، من يساريين وليبراليين، وإسلاميين معتدلين مستنيرين. فالكتلة هنا تجمع فئات عريضة من المجتمع حول أهداف واضحة تتعلق بالتحرر من هيمنة الاستعمار والتدخل الأجنبي، وتتعلق ثانيا بإقامة علاقات اجتماعية متوازنة يحكمها مبدأ المواطنة المتساوية والعدالة والحرية للجميع وعلوية القانون واحترام الشرعية وثوابت الهوية والامتداد الوحدوي. في الواقع الحالي هنالك بنى اقتصادية واجتماعية وفكرية «حديثة» تجد تعبيرها الإيديولوجي في فكر «النخبة العصرية» وطموحاتها، وفي المقابل هنالك بنى»تقليدية» - أصولية محافظة بالمعنى الفكري، ومتخلفة بالمعنى التاريخي، فالأولى تعبر عنها الدولة والنخب المثقفة المستنيرة وقوى المال والأعمال والتجار، والثانية تعبر عنها أيديولوجيا واجتماعيا القوى الدينية المحافظة ببناها الاقتصادية - الاجتماعية التي تحفظ امتيازاتها وتفوقها وهيمنتها في قمة هرم مجتمع الفقراء - التابعين لمظلة المرجعيات والروابط الطائفية التي يتم تعليمها وإعدادها وتحريضها وترويضها في المؤسسات الدينية - الطائفية التي تعمل بعيدا عن تأثير الدولة والقوانين والحداثة ولذلك تبدو وكأنها في هجرة للمجتمع تعيش على إيقاع قصص وحكايا وميثيا تم تركيبها مسرحيا لسلب وعي الناس ليعيشوا خارج إيقاع العصر... في ظل هذا الواقع المركب هل يمكن بناء الكتلة بجمع النقيضين فيما يشبه التلفيق السياسي المؤقت «كالذي يجري حاليا ضمن جمعيات المعارضة التي تستظل بمرجعية سياسية - طائفية في مواجهة حلف آخر لا يختلف في ما يجمعه عن الأول من حيث البنية وان كان يختلف من حيث مضمون المطالب والأهداف والية العمل ومستوى الانضباط المرجعي»؟ ان هذه العملية لا تعدو أن تكون تركيبا مصطنعا وهشا لاعتماده على التلفيق والتحالفات السياسية الظرفية ذات الطابع الانتهازي... ولكن المطلوب حقيقة هو بناء كتلة تاريخية تنبني على المصلحة الموضوعية الواحدة التي تجمع المجتمع أو قواه الرئيسية على الأقل المصلحة الموضوعية في العمق ومن العمق، يجب أن تجمع جميع التيارات التي تنجح في جعل أصدائها تتردد بين صفوف الشعب: المصلحة الموضوعية التي تعبر عنها مبادئ الحرية والأصالة والديمقراطية والشورى والعدل وحقوق الإنسان ومدنية الدولة وتكافؤ الفرص والتسامح والوحدة الوطنية حول هوية الدولة والحريات وعدم التمييز ضد المرأة وحقوق الأقليات الخ. فبدون قيام هذا الحلف الوطني العام «تكون السلطة طرفا فيه بالطبع وليس خارجا عنه» لا يمكن تدشين مرحلة تاريخية جديدة يضمن لها النمو والاستمرار والاستقرار «ولقد كانت فرصة ميثاق العمل الوطني في 2002م لحظة تاريخية مواتية لبناء مثل هذه الكتلة، ولكن تم إهدارها لاحقا لأسباب عديدة، ولكن الميثاق لايزال موجودا وقائما ويمكن إحياء التكتل حوله بحل التنازع السياسي والتجاذب الطائفي والاختلاف حول سبل طي ملف الأحداث المؤلم لما فيه من جراحات للجميع..». ولكن ويا للأسف، من الواضح أننا اليوم أمام وضع جديد تتصدر فيه المشهد السياسي القوى الدينية - الطائفية الرئيسية، ولذلك لا يمكن تجاهلها أو تجاهل أو تجاوز دورها، ولا إنكار مكانتها ولا إمكانياتها في التأثير على الوضع السياسي - الاجتماعي، ولكن من الصعب أن يتبلور أي حل سياسي وطني ديمقراطي ضمن أفق التيارات الطائفية ولا بواسطتها، لأن ذلك سيكون مضادا لطبيعتها، بلورة الحل السياسي، فمن الصعب جدا تصور ان تكون القوى التي ولدت وتطورت في السياق الفكري الطائفي وبلورت رؤاها ومصالحها على هذا الأساس ان تكون ضمن حلف المواطنين الأحرار «الكتلة التاريخية الديمقراطية»،لأنها بذلك تكون كمن ينتحر ويتنكر لهويته الراسخة، ولذلك فإن التعويل الرئيسي في بناء نواة هذا التكتل أو الجبهة الوطنية الديمقراطية هو القوى الوطنية الديمقراطية «الليبرالية والتقدمية والقومية وبعض قوى الإسلام السياسي المعتدلة ورجال الأعمال والنخب التكنوقراطية وكافة المنظمات المدنية» بمختلف فئاتها واتجاهاتها الفكرية والإيديولوجية، هذه القوى التي يجب أن تشكل حلفا وطنيا ضد التخلف والظلم والاستبداد والتطرف والعنف والتبعية في مواجهة الفكر الطائفي المظلم واللا عقلاني الذي يمنح لنفسه قداسات وسلطات فوق زمنية، وذلك لأن المهام المطروحة وطنيا في هذه الحالة ستكون قائمة على مبادئ الحرية والديمقراطية والمواطنة المتساوية والشراكة الوطنية، وهي مهام لا يمكن لأي فريق واحد أن يضطلع بها بمفرده، بما يستدعي تحالفا وطنيا ببناء كتلة تضم جميع القوى الفاعلة في المجتمع والتي من مصلحتها الإصلاح والاستقرار والديمقراطية والتعايش السلمي في إطار الثوابت الوطنية، وتعزيز مدنية الدولة ورفض أي شكل من إشكال التسلط، بما في ذلك التسلط الديني - الطائفي على أي شاكلة كان، وخصوصا إذا كان على شاكلة النموذج الإيراني الذي نرى عجائبه اليوم أمام أعيننا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها