النسخة الورقية
العدد 11090 الثلاثاء 20 أغسطس 2019 الموافق 19 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:48AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:11PM
  • العشاء
    7:41PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

التحالف الخطِر!!

رابط مختصر
العدد 8810 الجمعة 24 مايو 2013 الموافق 14 رجب 1434

ما كنت لأصدق لو أن أحدا جاءني بخبر يحمل نبأ تحالف اليسار بطرفيه الماركسي والماركسي اللينيني مضافا إليهما بعض من البعثيين الذين يفترض أن تكون علاقاتهم بالتيار الإسلامي الشيعي وجه الخصوص محكومة بعدم الثقة، بل وبالعداء بعد الحرب على بغداد في العام 2003 وموقف حكام بغداد الجدد من حزب البعث والبعثيين عموما، فكيف يتحول كل ذلك إلى صداقة وتحالف! إن لله في خلقه شؤون. غير أن الذي حدث هو أن أحدا لم يخبرني بذلك، بل إنني، مثل كل المواطنين أو المقيمين هنا في البحرين، ألمس لمسا حيا هذا الكيان الهجين الخليط الذي تحصل على اسم «الجمعيات الوطنية الديمقراطية المعارضة» مجانا، وهي تسمية لا تتناسب مع المسمى على أي حال من حيث المرجعية الإيديولوجية التي تقود هذا التحالف والتي أنتجت أبشع الدكتاتورات في إيران. إن هذا الكيان الهجين العجيب بدا لي مظهرا من مظاهر تهاوي بعض من النخبة السياسية إلى أسفل المواقع رداءة في الجسم الوطني. على كل حال أنا شخصيا لا أستطيع أن أُكذب ما أرى وما أسمع وما أقرأ، غير أني، تعبيرا مني عن شدة اندهاشي، أجد كل ذرة منطق رُبيت عليها تدفعني إلى تصنيف هذا الشيء الهجين ضمن خانة اللامعقول. إن هذا اللامعقول يحصل عندما تتلاقى الطروحات المغالية في رسم أهدافها والمتطرفة في تطبيق أدواتها العنفية في الشوارع المشغولة بحركة المواطنين الساعين إلى كسب أرزاقهم. شخصيا لست مستغربا من التوليفة التي جمعت اليسار بكل مكوناته والمنضوية في جمعيات سياسية قانونية مع جمعية «الوفاق» وشقيقاتها المذهبيات. وأقول المنضوية في جمعيات سياسية لأميز عنهم اليسار غير المرتبط بأي حزب سياسي أو تجمع والمكتفية عناصره بلقب مناصرين ويبدو من خلال مجرى الوقائع أن هذا اللقب ما عاد مصدر تشريف لهم ولن يعود كذلك إلا حين يُعدل هذا اليسار سلوكه الوطني ويعود إلى التحليق مع السرب الوطني بقيادة آل خليفة الكرام. ولعل من أسباب عدم استغرابي هو أن التاريخ يدلنا على أن نتائج التطرف والغلو في العنف دائما ما تنتهي إلى نتائج بائسة كهذه المهزلة التي نعاينها ونعانيها، وهذا في الحقيقة ما أراده اليسار لنفسه بعد أن سد بمحض إرادة قادته أو انسدت أمامه كل الخيارات المتاحة لفتح حوار متمدن مع الدولة يسهم في نقل البحرين إلى مرحلة جديدة من التعاون لبناء الدولة المدنية البحرينية وليس دولة الولي الفقيه التي تسوقهم جمعية «الوفاق» سوقا إليها، فاختار الانحياز إلى الطرح الطائفي المتطرف كافرا بأبسط أدوات التحليل اليسارية التي تنطق مجتمعة باستحالة التلاقي بين اليمين الظلامي المتطرف الثيوقراطي الوجهة واليسار المستنير. ويبدو لي أنه بذلك قد خسر الكثير مما راكمه شيوخ النضال اليساريين على مدى التاريخ الوطني المديد، وخصوصا القرب من الشارع الشعبي وبالتالي الإجادة في التعبير عن آلامه وآماله. لا أشك في أنك قد حدست، عزيزي القارئ، أن الحديث سيدور لاحقا حول ما يحمله هذا التحالف غير المقدس من أدران وأوجاع. إن الحديث ولا شك يجري عن التحالف بين بعض أطياف اليسار ممثلة في المنبر التقدمي وجمعية العمل (وعد) والبعث مع الجمعيات الراديكالية ممثلة في جمعية «الوفاق» التي تُغرق الشارع بالعنف ولا تكف عن التحريض عليه. وفي الحقيقة لا أخفيكم القول حين أصرح ان مسألة تحالف يساريي جمعية المنبر التقدمي مع الطيف الرجعي قد كانت بالنسبة إلي محل تساؤل وموضع شك منذ فترة، خصوصا بعد اعتزام الدكتور حسن مدن عدم الترشح لمنصب الأمين العام مرة أخرى في الانتخابات الأخيرة، ومن الأسئلة التي كانت تؤرقني حتى بعد شيوع أمر التحالف غير المقدس بين هذه الجمعيات هو: «هل يفعلها الأمين العام الجديد عبدالنبي سلمان وينضم مع البقية إلى هذا التحالف البشع؟» لكني لم أصل إلى إجابة، ولعل ذلك يعود إلى أنني بعيدا جدا عن مجريات العلاقة بين القاعدة والقمة في داخل المنبر أولا، وثانيا لأني كنت أربأ بيساريي المنبر التقدمي عن السقوط في هذا المنزلق الطائفي الخطير، إلى أن جاءت إجابة غير رسمية، ولكني أعتبرها إجابة طالعة من البيت ذاته، وذلك عندما صرح علي البنعلي، عضو اللجنة المركزية بالمنبر التقدمي، إن عبدالنبي سلمان يتصرف وفق ما يمليه عليه تصوره الخاص وليس وفق قرارات حزبية جماعية. وكون هذا التحالف قد حصل وكونه قائما حتى هذه الساعة فلن يستطيع أحد اليوم أو غدا، إذا ما استمر الأمر، أن يغير قناعتي الشخصية في أن الذي جمع هؤلاء اليساريين مع جمعية «الوفاق» المذهبية هو شيء واحد وحيد وهو العداء المتأسس على ثقافة المظلومية التاريخية التي لا يكف كل المتطرفين عن ترديدها من مهدهم إلى لحدهم. ثم إن هناك عاملا آخر يدعم هذه الثقافة وهو التخلي عن المبادئ التي أرساها الأولون في جبهة التحرير. لهذا فأنا أقول إن هذا التحالف يحمل، من وجهة نظري، معنيين اثنين: الأول وقد تحدثت عنه في مقالات سابقة وذلك قبل أن تتسع دائرة التحالف لتضم إلى جانب جمعية «الوفاق» و»وعد» المنبر التقدمي ومعهم البعث، وقلت مثلما قال آخرون غيري، إن هذا التحالف ذو جذور طائفية ويملك محفزات جينية مذهبية ساكنة عند المتحالفين ومدعومة بهرمونات إيرانية. وقد تشكل هذا التحالف، كما ذكرت آنفا، من خلفية سياسية قائمة على العداء المطلق مع النظام السياسي مهما أحدث هذا النظام من تطوير في البناء السياسي للدولة. أما المعنى الثاني فهو أن جمعية «الوفاق» قد وافقت على الدخول إلى الحوار التوافقي في شكل صوري بحيث لا تثير سخط الأمريكان، ومن ثم نزولا عند رغبة اليسار «الوعدي» الذي أظهر لهم إخلاصا تاريخيا وولاء تاما منذ بدأ تحالفهما في عام 2002 وتعزز وثوقا بعملهما معا لعقد ما سُمي آنذاك بالمؤتمر الدستوري في عام 2004، على أن تحتفظ لنفسها بحق المناورة المطلقة حتى تقرر الانسحاب من الحوار أو تطبيق شروطها المتطابقة مع ما كانت ترفعه من شعارات في الدوار، وفي ذلك تتبعها جمعية العمل، وهذا ما أتوقعه. فما الذي يمكننا أن ننتظر من تحالف كهذا حتى تكون توقعاتنا منه كبيرة؟ باختصار إن هذا التحالف جاء، وبقيادة «وفاقية» مطلقة، ليعوق التوافق في الحوار، ويديم الأزمة، ويشق المجتمع، ويزرع آلاما وأوجاعا في جسم الوطن، ولكن ليتذكر الجماعة القول المأثور «من يزرع الشوك يجني الجراح»، وليعلموا أن البحرين بقيادة آل خليفة الكرام لن تجني غير ورود العلم وثمار العمل والتقدم لتترك القروح والعفن لمن آثروا مزبلة التاريخ موقعا وقرارا ومصيرا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها