النسخة الورقية
العدد 11059 السبت 20 يوليو 2019 الموافق 17 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

من منصة للحوار إلى حبل لنشر الغسيل

رابط مختصر
العدد 8809 الخميس 23 مايو 2013 الموافق 13 رجب 1434

إن كانت هناك من عبارة إجماع، في ظل التمزق الاجتماعي/السياسي القائم، يتفق حولها الشارع السياسي البحريني، المعبر عن مصلحة المواطن البحرين العادي البسيط، فهي «عجز حوار التوافق الوطني عن تحقيق مكاسب ملموسة على أرض الواقع، واحتمال وصوله إلى طريق مسدودة». هذا الاستنتاج مبني على تطلعات جماهير ذلك الشارع إلى «حوار مثمر يضع مصلحة البحرين العليا فوق كل اعتبار»، ومن ثم فمن الخطأ استبعاد وجود جهات أخرى ممن ترى أن الحوار، على النقيض من الطرف الأول، لم يخرج عن إطار الطريق التي رسمت له بشكل مسبق، ومن ثم فهو يواصل تحقيق تلك الأهداف القائمة، أساسا، على أن يدار الحوار بالطريقة التي شاهدناها، ويستمر في دورانه الأفقي دون التوقف، على النحو الذي نراقبه. لابد هنا من التأكيد على أن النظرة الأولى تعبر في حقيقتها، وتعكس في جوهرها، عن آمال ذلك المواطن الذي لا يرى في غير البحرين أرضا يعيشها فوقها، ولا لغير سمائها رداء يتغطى به. من الطبيعي أن تفرز هذه الحالة القائمة على شعور متنام بالعجز عن فعل شيء إيجابي ملموس، مجموعة من الظواهر السلبية، التي من بين الأبرز فيها: 1. الإحباط السياسي الشعبي الواسع النطاق أفقيا، والمتصاعد عموديا، والمقصود به هنا تفشي حالة من اليأس في صفوف الغالبية الساحقة من المواطنين، الباحثين عن حالة من الاستقرار القائمة على مخرجات «حوار جاد ومثمر». حالة الاستقرار التي يبحث عنها هؤلاء المواطنين، ليست بالضرورة ذلك الحل الشامل المتكامل التي يحملها في أذهانهم بعض رموز العمل السياسي ومكوناته القيادية، بقدر ما هو خطوة متواضعة، لكنها ملموسة وراسخة، على طريق الوصول إلى ذلك الحل الشامل الذي يبحث عنه الجميع. خطورة تغلغل هذا الإحباط على نحو جماعي، تتجاوز ذلك النوع من الإحباط الفردي، مهما بلغ هذا الأخير سوء من الناحية الصحية. فالإحباط الجماعي يخلق حالة عدم رضى عامة يمكن ان تخلق تذمرا مجتمعيا واسعا يقود إلى تداعيات سياسية خطيرة، يصعب رصد آليات تناميها، ويتعذر، متى ما اندلعت نيرانها، التحكم في مساراتها. ولعل في تواصل العنف، مهما كان محدودا في هذه المرحلة، المنتشر في قرى البحرين على المستوى الأفقي، وتصاعد أشكاله على الصعيد العمودي، مؤشرا ملموسا خطيرا على حالة الإحباط التي نشير إليها، ونرى شؤما لابد من التحذير منها. 2. التفكك التنظيمي المؤسساتي، فمن الطبيعي أن تنشأ عن حالة الإحباط موجة استياء جماعي تشجع على الاستهانة بدور المؤسسات، التي لم تعد في نظر الفئة المحبطة «بفتح الباء» تولي هموم الوطن والمواطن ما يستحقه من اهتمام، ومن ثم فهي، في نظر ذلك المواطن، معنية بأي شكل من أشكال العمل التعاوني المؤسساتي. ومن ثم فهي تتخاذل عن أداء دور المؤسساتي المجتمعي، وتستعيض عنه بالأعمال الفردية، التي غالبا ما تكون، بفعل حالة الياس المستشرية في النفوس، ذات طابع هدام. تتوالد هذه الظاهرة بأشكال مموهة قادرة على التخفي، وارتداء عباءات تضليلية متعددة، يصعب رصدها، ومن ثم تشخيص أسبابها من أجل التوصل إلى الأسلحة الكفؤة المضادة لها والقادرة على صد هجماتها. من يرصد التحولات التي بدأت تشوب سلوك بعض القوى المتحلقة حول طاولة الحوار، ويرصد مواقفها، سوف يكتشف بداية تفشي هذه الظاهرة الي ينبغي التنبه لها في هذه المرحلة المبكرة من عمرها قبل أن تزدهر، فتتغلغل عميقا في صفوف التنظيمات السياسية، بعد ان تنتقل عدواها من أحدها إلى الآخر. 3. سيطرة الحلول العرجاء، وسيادة البرامج الكسيحة، التي تعكسها مداخلات الفرقاء، التي بدأت في التحول، بشكل تدريجي، لكنه ممنهج، من مادة تعبر عن برامج جادة يحملها جدل راق متطور، إلى زكائب محشوة بألفاظ التراشق بالأوصاف النابية، والتلاسن بالاتهامات المتبادلة التي لا تعدو كونها، في نهاية المطاف، مسكنات مؤقتة تثير في نفوس أصحابها نشوة الانتصار على الخصم. خطورة هذ النوع من تبادل الاتهامات، تحوله إلى ما يشبه المواد المخدرة او المسكرة، تجرد صاحبها من قدراته على التحكم في سلوكه، وتكسر حواجز الاحترام بين الجالسين، وتقوض القيم السلوكية التي تتحكم في قواعد التكافل الاجتماعي، فيتحول الحوار إلى قناة انتقامية، وساحة لتصفية الخلافات الفردية، بدلا من كونه حاضنة للمشروعات الوطنية، وإطارا واسعا عاما لصهرها في بوتقة واحدة، تذوب فيها الخلافات، وأصص تتفتح فيها نباتات الاتفاقات. تفاعل هذه الظواهر السلبية بين بعضها البعض، ومع أخرى غيرها، ليس هنا مجال ذكرها، أدى إلى أن تتحول طاولة الحوار من منصة توضع فوقها أوراق البرامج الوطنية الناضجة، إلى حبل غسيل ينشر فوقه كل طرف ما يعتقد انه «أوساخ» الطرف الآخر. منذ أن انطلقت جلسات الحوار بدأ المواطن يتلقى مخرجات «نشر الغسيل المتبادل» بين الأطراف المشاركة في ذلك الحوار بكل مهارة واقتدار، فلم تعد هناك من وسيلة لم يلجأ لها هذا الطرف أو ذاك لنشر غسيل الغريم، او الخصم، ولم تبقَ من طريقة لتبادل الاتهامات لم تشهدها طاولة الحوار. فهل هناك ما هو أسوأ من انتقال الحوار من منصة للتفاهم إلى حبل لنشر الغسيل؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها