النسخة الورقية
العدد 11125 الثلاثاء 24 سبتمبر 2019 الموافق 25 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:56PM
  • المغرب
    5:32PM
  • العشاء
    7:02PM

كتاب الايام

تجـــــار الحــــــــــوار

رابط مختصر
العدد 8807 الثلاثاء 21 مايو 2013 الموافق 11 رجب 1434

لكل ظاهرة سياسية ردائفها، او بتعبير أدق، إفرازاتها الاجتماعية. فعندما تنشب الحروب تنشأ طبقة تندلع فوقها تلك الحروب. خطر هذه الفئة الاجتماعية، بحثها المستمر عن حليف، محلي أو دولي، تتناغم مصالحه مع مصالحها، وتلتقي أهدافه مع هدفها الاستراتيجي، وهو كسب المال غير المشروع، وبأعلى النسب الربحية الممكنة. ومع تطور المجتمع الإنساني، وعلى طريق تمأسسه، تحول مثل أولئك التجار من مجرد أفراد مبعثرين إلى مؤسسات راسخة، اقترب بعضها، كما هو الحال مع القوى الاستعمارية، إلى دول، أصبحت تتقن فنون إشعال نيران الحروب، ومن ثم الاستفادة من بيع الأسلحة المتكدسة في مخازن مصانعها. البحث عن مصادر مستمرة للربح، وزيادة الدخل، هما مصدر ما نشاهده اليوم من نزاعات، يصعب منطقيا شرح أسبابها، ويستحيل تفسير استمرارها، ما يحولها إلى حروب شبه عبثية، تفقد مبررات اندلاعها، اللهم إلا إذا أبرزنا تلك الأموال التي تكدسها الدول المصنعة لآلات الحرب، والمروجة لتجارة الحروب والحاضنة لعناصر توسيع نطاقها. وكما هو الحال في الحرب، يمكننا ان نجد ظاهر مشابهة في السلم. ولو ألقينا نظرة على الخارطة السياسية العربية، لوجدنا انتشار أكثر من طاولة حوار على أكثر من عاصمة فيها. تمتد تلك الطاولات من صنعاء اليمن، وتعرج على «المنامة» قبل أن تستقر في بغداد أو دمشق أو القاهرة. بطبيعة الحال سبقتهم جميعا إلى ذلك طاولة الحوار اللبناني التي تم نصبها، وماتزال نشطة، منذ ما يزيد على الربع قرن. من يشاهدهم المواطن، من المتحلقين حول طاولات الحوارات العربية المختلفة، هم أولئك الممثلون عن الأطراف السياسية الضالعة في صراعات هذه الدولة او تلك، لكن ما يخفى على ذلك المواطن، هو تلك القوى، تماماً كما هو الحال في الحروب، المستفيدة من استمرار تلك الحوارات، والمستميتة كي لا تصل تلك الحوارات إلى نهايات تقوم على حلول نهائية تضع حدا لأسباب الصراعات المتصاعدة، التي تسعر القوى المستفيدة من مراوحة الحوار عند نقاط معينة. ولا توفر تلك القوى أي جهد كي لا يخرج المتحاورون بقرارات أو توصيات تنتشلهم من حالة الجمود التي بات الجميع «يلعنها»، وهو يحاول جاهدا كي يتجاوزها. وكما يفرخ «تجار الحروب»، أفرادا كانوا أم دولا تجار بضائع أخرى، مثل المخدرات، كذلك يفرز «تجار الحوارات»، ان صح لنا القول، فئات تجارية أخرى ترتبط مصالحها مباشرة مع «تجار الحوارات»، وتنحو بشكل تدريجي، نحو الاستقلال، كي تصبح، في نهاية المطاف، حالة قائمة بذاتها، تتقاطع مصالحها مع مصالح الفئة الأولى التي ساهمت، بشكل أو بآخر في ولادتها. مخاطر مجتمعية وسياسية، بل وحتى اقتصادية، كثيرة يفرزها تنامي ظاهرة «طول أمد الحوارات»، التي أصبحت منتشرة عربيا، لعل الأهم من بينها هي: 1. انحراف الحوار، بوعي بعض المتحاورين ممن ترتبط مصالحهم بمصالح «تجار الحوارات»، أو بدون وعي الفئات الأخرى المشاركة في الحوار، عن مساره الطبيعي والمنطقي، وتحوله إلى ساحة مهاترات بين المشاركين فيه، تتطور رويدا رويدا، وفي اتجاه سلبي كي تقترب من الملاسنات الفردية الخالية من أي محتوى سياسي. يؤدي ذلك، وبشكل تدريجي غير ملموس، إلى غياب الأهداف الحقيقية التي من أجلها بدا الحوار، وحلول أخرى غيرها لا تمت للقضايا المتنازع عليها، والتي من اجلها تمت الدعوة للحوار، بصلة. 2. تشكل فئة اجتماعية لها مصلحة في تمديد فترة الحوار، يمكن أن نطلق عليها، تجاوزا، اسم «تجار الحوار»، وتغلغلها في إدارات الدولة، وفي صفوف القوى المعارضة، ووصولها إلى أعلى المناصب فيهما، ما يجعلها صاحبة قرار يوجه طاولة الحوار، بما يخدم مصالحها، ويضمن استمرار تغلغلها، ومن ثم تحكمها في نواصي الأمور. كل ذلك يقود إلى دوران الحوار في حلقات أفقية مفرغة، غير قادرة، بفضل نفوذ وتوجيه القوى ذات المصلحة من هذه الحالة الساكنة، من الانعتاق من هذه الحالة، والتوجه عموديا نحو هدف محدد ينتشل البلاد من أوضاعها المتردية، ويضع حدا لأسباب الصراع الذي استجوب الجلوس إلى طاولة الحوار. 3. فتح الأبواب على مصراعيها أمام قوى خارجية، لا يستبعد ان يكون البعض منها معادية للدولة التي يجري فيها الحوار، وبذل هذه القوى كل ما في وسعها من أجل تسيير دفة الحوار، بما يخدم مصالحها، ويسهل دس أنفها في الشؤون الداخلية للبلد المعني، بما يضمن تعزيز النفوذ الأجنبي، وخدمة مصالحه، التي يصعب تطابقها مع المصالح المحلية في أحيان كثيرة، الأمر الذي يغذي توجهات التأسيس لطوابير خامسة محلية. في ضوء كل ذلك، وتأسيسا على الحيثيات والتوصيفات المرافقة له، يمكن قراءة تباطؤ خطوات سير الحوارات المستشرية في الساحات العربية المختلفة، ومحاولة فهم ما يدور فوق طاولاتها من نقاشات. فلربما لو أمعنا النظر فيها، سنكتشف أن هناك قوى محلية وخارجية، بات من مصلحتها أن تروج لمثل هذه السلع السياسية، التي تسوي، في نهاية المطاف، الأراضي القادرة على احتضان «حوارات سياسية عقيمة»، لا تتمخض عن نتائج سوى تلك التي تخدم «تجار الحوارات»، وتضمن سيطرتهم على أسواق العمل السياسي، والتحكم في البوصلة التي تسير دفة سفنه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها