النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

فيوز القلب محروقة

رابط مختصر
العدد 8803 الجمعة 17 مايو 2013 الموافق 7 رجب 1434

تماهى جيلنا الخمسيني والستيني إلى أبعد الحدود مع الموسيقى والنغم والطرب، الأمر الذي جعل لحياتنا القاسية معنى، وارتقى بذائقتنا وخياراتنا. لكن بوصلتنا في تلك الحقبة الجميلة كانت مصوبة نحو عمالقة الغناء في مصر تحديدا، ربما بتأثير مما كان للقاهرة وقتذاك من دور ريادي في المحيط العربي ومكانة سامية في الانفس والافئدة، وربما بتأثير مما كنا نشاهده في التلفزيون من أفلام مصرية رومانسية وغنائية جميلة، وربما بتأثير من مجلة الكواكب وإذاعتي القاهرة وصوت العرب، وربما بتأثير من إذاعة البحرين التي كانت تخصص كل يوم مساحة ثابتة لبرنامج «ما يطلبه المستمعون» والذي كان يبث أحدث وأجمل الأغاني المصرية وغيرها. كنا في تلك الايام، بسبب قلة استيعابنا أو فورة مراهقتنا، لا نطرب كثيرا لزاوية «الطرب الشعبي» من إذاعة البحرين والذي كان تُخصص له ساعة كاملة من كل يوم جمعة، قبيل نشرة أخبار الثانية عشرة ظهرا بصوت المرحوم إبراهيم كانو، وأحيانا بصوت أحد الصديقين «حسن كمال» أو «سعيد الحمد». كان الذي يطربنا، ويحرك عواطفنا، ويجسد مشاعرنا وأحاسيسنا وأحلامنا المراهقية الثلاثة الكبار: حليم في أغانيه الأكثر شهرة وقتذاك «بتلوموني ليه، بحلم بيك، نار ياحبيبي نار، في يوم في شهر في سنة، على قد الشوق اللي في عيني، أسمر ياسمراني، فوق الشوك مشاني زماني، ظلموه، توبه، وأنا لك على طول.. خليك ليّ» وفريد في أغانيه «ارحمني وطمني، حكاية غرامي، أحبك مهما قالوا عنك، قلبي ومفتاحه وإتقل إتقل ع اللي بيتقل» وعبدالوهاب في أغانيه «قللي عملك ايه قلبي، لا مش انا اللي أبكي، خي خي، علشان الشوك اللي في الورد، أنا والعذاب وهواك». وطبعا كان للمطربات نصيب من اهتمامنا وولعنا. فمثلا كانت شادية تأسرنا بدلعها وصوتها الرقيق وهي تغني «حبيبي أهـُه»، و»يا سارق من عيني النوم» و»يا دبلة الخطوبة» و»إن راح منك ياعين حيروح من قلبي فين». وكانت صباح تدغدغ عواطف السمر والبيض منا وهي تغني «أسمر أسمر، طيب ما له؟»، و»الحليوة فين؟.. أيه جراله يا عين؟»، و»الغاوي نقط بطاقيته». كما كانت فايزة أحمد -رغم عدم انجذابنا لشكلهما الفيزيائي- تحرك شياطين الطرب فينا بمجرد انطلاق صوتها بأغاني «بتسأل ليه عليّ؟»، و»يــَمـّه القمر ع الباب» و»حسادك علموك» و»جايالك» و»أنا قلبي ليك ميال» و»من الباب للشباك»، و»يا حلاوتك يا جمال.. خليت للحلوين إيه؟». والأغنية الأخيرة يقولون انها مــُنعت بعد وقت قصير من إذاعتها بسبب عبارة «يا جمال». ثم عرّفتنا إذاعة البحرين فجأة على ماهر العطار في أغنيتي «بلغوه»، و»إفرش منديلك»، وعلى محرم فؤاد في «رمش عينه اللي جارحني» و»إوعى تحب يا قلبي»، وعلى كمال حسني في «لو سلمتك قلبي وإيديتلك مفتاحه» و»غالي عليّ، وأغلى عندي من نن عينـّي»، وعلى المطربة اللبنانية المتميزة نازك في «كل دقة في قلبي» و»ياريت ما كــُنا ولا عرفنا». فانطربنا لهم ولهن وعشقناهم صوتا ولحنا وأداء. وفي زمن لم يكن بمقدور السواد الاعظم من الناس امتلاك آلات التسجيل وأشرطتها أوالغرامفون وأسطواناتها، ولم يكن الكاسيت الرخيص في صورته الحالية قد ظهر بعد، ليستمع كلٌ إلى ما يشتهي من أغان بأسهل الطرق وأرخصها، كانت طلبات الاستماع إلى الأغاني تنهال يوميا على إذاعة البحرين بصورة كثيفة، فكانت بدرية عبداللطيف مقدمة برنامج «ما يطلبه المستمعون» تسابق الزمن، وينقطع أنفاسها كي تقرأ أسماء كل المـُهدين والمـُهدى إليهم دون حذف أو اختصار، فإذا ما أعيتها الحيلة، استسلمت وأشارت إلى المعنيين بالأمر بإدارة إسطوانة الأغنية المطلوبة وهي لم تزل تلهث بالقراءة. ومن خلال برنامج «ما يطلبه المستمعون» من إذاعة البحرين عرفنا الطرب اليمني الجميل بصوت محمد مرشد ناجي في أغنيته المعروفة «يا نجم يا سامر.. سامرفوق المصلة.. كلٍ مـَعـُه محبوب.. وأنا لي الله.. لي الله»، وعرفناه ايضا من خلال صوت المطرب المثقف «عبدالرحمن باجنيد» صاحب أغنية «طير من وادي تــُبن.. حط في قلبي سكن» والذي لم يستمر طويلا لأنه فضـّل العمل مذيعا ومنتجا ومقدما للبرامج لمدة ربع قرن في القسم العربي بإذاعة هولندا، ثم عرفنا الفن اليمني من خلال الفنان أحمد يوسف الزبيدي الذي غنى من كلمات وألحان يـَسْـلم بن علي أغنية غريبة تقول كلماتها: «فيوز القلب محروقة.. في جسمي ضربني ماس.. حتى الأكل ما أذوقه.. من أفعال الهوى يا ناس». على أن الذي بقى صامدا، من الطرب اليمني، في ذاكرة جيلنا إلى اليوم دون أن يخبو أويبهت هو أغنية «صدفة التقينا» من كلمات لطف جعفر أمان، وألحان وغناء الفنان الكبير المرحوم أحمد قاسم. تقول كلمات الأغنية: «صـُدفة التقينا على الساحل، ولا في حــَدْ.. صــُدفة بلا ميعاد، جمع الهوى قلبين.. سمعتُ أبـْين على الأمواج تتنهد.. لما حواك الفؤاد والعين تناجي العين.. والبحر والرمل والبدر والحبيب يســْهد.. على الهوى والوداد.. إلخ إلخ». ولا نملك هنا سوى أن نواسي الراحل ونقول له خيرا فعلت بذهابك إلى العالم الآخر، لأن بقاءك كان سيتسبب لك بالقهر. فـ «أبين» التي سمعتها على الامواج تتنهد صارت اليوم مركزا للتطرف والمتطرفين الغلاة من أتباع «القاعدة»! المعروف أن إذاعة البحرين هي الإذاعة الثانية في منطقة الخليج من بعد الإذاعة السعودية، حيث تم افتتاحها في يوليو 1955 بقوة كيلوواط واحد وفترة بث لا تزيد على الساعتين، ثم ازدادت ساعات البث تدريجيا، ولأنها في الستينات كانت تبث من الصباح حتى الظهر مع فترة مسائية قصيرة، فقد وجدنا في الاستماع إلى إذاعة الكويت، أثناء توقف بث إذاعة البحرين، تعويضا مناسبا ومغريا، خصوصا وأن إذاعة الكويت كانت قد بدأت البث بقوة بعد استقلال الدولة الشقيقة في عام 1960، وكانت ميزانيتها تؤهلها للبث طوال النهار ولتقديم برامج متنوعة «متعوب عليها» في شتى الحقول. ومن خلال هذه الإذاعة تعرفنا في مطلع الستينات على الجيل الجديد من مطربي الكويت، وتعلقنا بأغانيهم التي وجدنا فيها شكلا مختلفا عن أغاني من سبقوهم ممن كانوا يكتفون باستخدام أدوات الموسيقى التقليدية، واللحن ذي الرتم الواحد، والتكرار الممل. وهكذا تعرفنا أولا على «شادي الخليج» واستطربنا لأغانيه الجميلة ابتداء من «أحبه حبيبي، وأعشق حبيبي، وأعبد حبيبي»، و»ليش ليش يا جاسي ليش؟.. ليش ليش يا خاين ليش؟»، وانتهاء بأغنية «حبيبي راح وخلاني.. ملاني جراح وخلاني»، وأغنية «لي خليل حسين» من ألحان حمد الرجيب وكلمات أحمد العدواني، والتي يقول فيها «القمر طلعته.. والغزال لفتته.. والسحر فتنته.. بالنحر والجبين.. صادني في هواه.. ما سباني سواه.. آه من حسنه آه.. كل ما له يزيد.. في حديثه فتون.. في دلاله فنون.. في سبيله يهون.. كل شيء ثمين». ومع تعرفنا على هذا المبدع، زادت حيرتنا حول اسمه! لم تكن المشكلة في الاسم الأول «شادي» فهو اسم علم مذكر معروف. لكن هل يعقل أن يكون لقبه «الخليج»؟ كيف؟ هكذا تساءلنا ببراءة الأطفال. طبعا كان هذا قبل ان نكتشف أن اسمه الحقيقي هو «عبدالعزيز المفرّج»، وأن «شادي الخليج» ليس سوى اسم فني تخفى وراءه صاحبه لاعتبارات اجتماعية. غير ان هذا الاكتشاف لم يجب على كل تساؤلاتنا! إذ كيف لم يختف وراء أسماء فنية كل من سبقوه من اعلام الطرب الكويتي ممن ظهروا في أزمنة أكثر تعصبا وتشددا حيال الغناء والطرب من أمثال عوض الدوخي وسعود الراشد وعبدالله فضالة وعبداللطيف الكويتي، ومحمود الكويتي فيما هو المنتمي إلى جيل فني جديد يفعل ذلك؟ وقبل أن تأتينا الإجابة ظهر على الساحة الفنية الكويتية من يقتفي أثر شادي الخليج، ليس لجهة الغناء واختيار الألحان فقط، وإنما أيضا لجهة التخفي وراء اسم فني. ولم يكن هذا القادم الجديد سوى عيسى خورشيد الذي عــُرف باسم «غريد الشاطئ»، ودخل قلوبنا منذ إطلاقه لأغنيته الأولى «جودي لا تهجريني.. ولو بالطيف زوريني.. صـُبرتُ وشابت عيوني.. أشوف الهـَمّ يطويني»، بسبب قدرته الفذه في التحكم في صوته القوي ذي الطبقات المتعددة. ظهور هذه الموجة من مطربي الكويت الجدد بألحانهم غير التقليدية، وبأدائهم المتسق مع روح منتصف القرن العشرين، أخرج مطربي الرعيل الأول من جلبابهم التقليدي ودفعهم إلى التجديد، فنرى مثلا فنانا تخصص في الأصوات الشعبية، والأغاني ذات الرتم الواحد، وتأليف وتلحين معظم أغانيه بنفسه مثل «عبدالله فضالة السليطي» يــُدخل آلة البيانو في الأغنية الكويتية ليصبح بذلك أول من يدخل هذه الآلة الغربية في الأغنية الخليجية بصفة عامة «لعبدالله فضالة نحو 500 أغنية لعل أشهرها أغنية (أحرمتني الليالي) التي يقول مطلعها: أحرمتني الليالي.. شـُوف مـَنْ أهواه.. أبعدوا في حبيبي.. ورضــْيوا حرماني». ونرى فنانا كبيرا مثل عوض الدوخي يلجأ إلى حشد كل الآلات الموسيقية الغريبة على الطرب الخليجي، وتوزيع موسيقاها بطريقة تشبه توزيع الأعمال الموسيقية المصرية الكبرى مثل «عاشق الروح» لمحمد عبدالوهاب، و»لحن الخلود» لفريد الأطرش. فعل عوض الدوخي ذلك باقتدار في رائعته «رد قلبي» التي يقول فيها: لا تخاصمني يا آسرني في هواك.. نظرة واحدة تكفي عن طولة جفاك.. أنا أشقى «ينطقها أشغى كأهل المحرق» وإنت ما تدري بعذابي.. رد قلبي.. ردقلبي.. لا تخاصمني. هذه الأغنية التي لا تزال تأسر القلوب والآذان وتبعث الأشجان رغم مرور نحو نصف قرن على ظهورها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها