النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

طريقنا إلى «تعلم الديمقراطية»

رابط مختصر
العدد 8801 الأربعاء 15 مايو 2013 الموافق 5 رجب 1434

من بين أسباب الإخفاق المزمن في زرع الديمقراطية في البيئة المحلية، رغم التجارب المبكرة في الاستفادة من بعض أشكالها وآلياتها، هو التركيز على البعد السياسي الفوقي لها فقط، دون مواكبة لتلك العملية بزرع الديمقراطية ثقافة وتصورا في العقول والممارسة. فقد عرفنا التجربة البرلمانية في وقت مبكر، وعرفنا نظماً انتخابية وقوانين لمباشرة الحقوق السياسية وتشكيلا للجمعيات السياسية، وأخذنا بمبدأ الفصل بين السلطات، وكانت هناك دوما صحف مستقلة، وبأقدار ومساحات متفاوتة من الحرية والجرأة، وجمعيات وأحزاب سياسية معارضة تعمل بصورة علنية، وتحصل على دعم الدولة.. بالاضافة إلى مئات الجمعيات الأهلية التي تنشط في مختلف المجالات الاجتماعية والحقوقية والمهنية والثقافية وغيرها، كما يسمح القانون للأحزاب والجمعيات بالتظاهر والتجمع السلميين دون عناء كبير... ولكن هل حقق ذلك الديمقراطية في صورتها المنشودة؟؟ وهل حقق كل ذلك التحول الديمقراطي في العقول والممارسات على الأرض؟؟ ما نجده في الواقع يسير في مجمله في اتجاه معاكس، إذ لم تتحقق الغاية المنشودة على النحو المطلوب (في المثال) على مستوى بناء الديمقراطية، فكرا وروحا وثقافة وسلوكا، وترسيخا للحرية ببعديها الفردي والسياسي على نحو عميق ونهائي غير قابل للتراجع عنه، أو الرجوع به إلى الوراء.. فقد فرخت لنا تجربة الانفتاح الديمقراطي (أحزابا- جمعيات) نصفها طائفي إلى العظم، ونصفها الآخر شبه طائفي- شبه ديمقراطي، وبدلا من ان تعزز التعددية الحزبية التسامح وثقافة الحوار ومنطق التعايش والتنوع، شهدنا المزيد من التشدد والتصلب والتجاذب الطائفي والسياسي، بل رأينا تراجعا في السلوك وانحدارا في اللغة السياسية، عوق التجربة الوليدة وشوهها، إذ تحولت الحرية في العديد من الحالات الى فوضى تستبيح حقوق للآخرين، وأدى السجال السياسي إلى اتساع الشقة بين مكونات المجتمع السياسي وانعدام الثقة وتبادل الاتهامات بالتخوين والتسفيه والتحقيق في بعض الأحيان. تجارب أكثر من نصف قرن من الزمان المطالبة بالديمقراطية كبناء سياسي فوقي لم تؤد إلى بناء ديمقراطية حقيقة (بالرغم من المكتسبات العديدة التي تحققت على الأرض بالنسبة للجميع)، لأن الذي حدث تحديدا هو أن الإصلاح السياسي انحصر في جدل بين النخب، وكان حكرا لرؤى بعض القيادات (معارضة أو موالاة) وكانت الجماهير مغيبة أو غائبة أو مشوهة الوعي من خلال استخدام للخطاب الطائفي في الوصول الى عواطفها وعقولها ومخاوفها، كما أن الجهود لم توجه نحو ترسيخ قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، كتربية وفكر وسلوك، فلم تترسخ الممارسة الديمقراطية، ولم تثمر شجرة الديمقراطية إلا استنساخا لنفس الصور والممارسات، فكانت معرضة للاقتلاع عند هبوب أول ريح، يمتحن فيها الرأي العام والأحزاب في أول مواجهة أو استحقاق. ولذلك يجب الاعتراف بأن الجميع ما يزال في طريق «تعلم الديمقراطية» وفق منطق التجربة والخطأ أو بطريق المداورة والمناورة، فجمعيات الإسلام السياسي (الطائفية في أغلبها)، هي من يقود اليوم الحراك السياسي الاجتماعي، خلطا بين الهيكلية الحزبية والهيكلية الطائفية (المرجعية) لجمهور المنخرطين في هذه الجمعيات، بما يسبب حالة من الانقسام الدائم والمشاحنات والتجاذبات التي يمتزج فيها السياسي بالفتوى، فتصبح هذه الأحزاب مساهمة في تأخر وعي الجمهور أو تشويهه، وانفصاله عن المنطق المدني، ومنطق المصلحة الوطنية الحقيقة، منطق الحرية. وبالرغم من الحديث المتكرر عن الديمقراطية والإصلاح والإرادة الشعبية، فإن أغلب الأحزاب- الجمعيات السياسية- الدينية، تعاني هي ذاتها من التسلط السياسي ومحدودية تأثير الفكر الديمقراطي داخلها- فهي في اغلب الأحيان إعادة إنتاج للتركيبة السلطوية التي طالما كانت هذه الجمعيات تنتقدها خلال العقود الماضية-فالسياسيون والزعماء في هذه الجمعيات هم أنفسهم تقريبا منذ سنوات طويلة، يكرسون حضورهم الدائم في كل شيء، مع عجز بيِّن عن تجديد المناهج الفكرية والخطاب السياسي وهيمنة شخصيات قيادية بعينها على مقدرات الجمعيات وتمسكها بمناصبها.. وتترافق هذه الحالة مع تنامي الميل العدمي لدى بعضها من خلال شعار «الكلّ أو لا شيء» بما لا يساعد على التقدم نحو حلول عقلانية، فهي لا ترى شيئا من حقائق الأمور، حتى وان أبرزها الزمن وأكّد على وجودها وحضورها ضمن المشهد السّياسي الوطني، حتى كأن نرجسيّة البعض تدفعه في مرضية غير مسبوقة إلى التضحية بكلّ ما هو جامع وعقلاني وطني لإرضاء غروره وجمهوره، بدل ترشيده والعمل على تنميته سياسيا. إن الانشغال الطويل بالشعارات بالأيديولوجي على حساب الثقافي والفكري والاجتماعي والقيمي والتربوي، فضلاً عن أنه قد أوصلنا إلى طريق مسدود، فقد أفرز في النهاية، شخصيات سياسية موتورة متلونة متناقضة متذبذبة إلى حد المفارقة، تنادي بالديمقراطية نهارا وتمارس نقيضها ليلا، اعتقادا منها ان الشعارات يمكن ان تبني الديمقراطية وتنشئ دولا، وتلك أكثر نكباتنا استفحالاً. فهل هنالك من حل؟ هل هنالك من أمل؟؟ الأمل موجود ومعقود على القوى الوطنية المدنية-اللاطائفية- والتي يفترض بها قيادة الحراك السياسي الوطني وفق برنامج سياسي وطني واضح، وبالرغم من أن هذه القوى ما تزال هامشية، وتأثيرها ما يزال محدودا، ويكاد يقتصر على بعض النخب فإن الأمل يتجدد دائما من إمكانية بناء جبهة للعقلاء خارج مظلة الطائفية المقيتة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها