النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

محمد بن فارس على طاولة الحوار!!!

رابط مختصر
العدد 8798 الأحد 12 مايو 2013 الموافق 2 رجب 1434

نجح المنظمون، حين وضعوا «ليلة فرقة محمد بن فارس» من بين فعاليات «الملتقى والمعرض الثالث للاستثمار الخليجي المغربي» المنعقد في مدينة طنجة المغربية خلال الفترة بين 6-8 مايو 2013. وبالقدر ذاته تألقت البحرين حين رددت جدران أروقة فندق «موفنبك» تقاسيم «الصوت الخليجي»، وإيقاعات «المرواس» وهي تعانق أوتار «العود»، و»القانون». كانت ليلة بحرينية لم يتمالك الجميع من الاستجابة العفوية لتلك الأنغام فتمايل البعض منهم طربا، وهرع آخرون، من فرط الانفعال إلى المنصة كي يستعرضوا مهاراتهم في أداء الرقصات الخليجية بعد أن طعموها بنكهة مغربية، وأضافوا عليها مسحة معاصرة. لوحة جميلة رسمتها البحرين بأنامل أعضاء الفرقة، وأعجب بها المشاركون في «الملتقى»، بمن فيهم من كان لا يفقه من مفردات اللغة العربية حتى أبسطها، فتخللت فقراتها تعليقات بحرينية أطلقتها، هذه المرة، حناجر المستمعين، من الجالسين على المقاعد متسائلة، في شيء من المرارة: لماذا لا تشارك الفرقة في «حوار التوافق الوطني»، فاللحمة الوطنية لم تفرض نفسها على أعضاء الفرقة فحسب، بل امتدت كي تصل إلى أولئك المستمعين. عزفت البحرين بسنتها وشيعتها ألحان محمد بن فارس، وتمايل على أنغامها البحرينيون الطائفتين دونما أي تمييز. ويبدو، كما تشهد على ذلك الليلة الفنية البحرينية أن الفن وحدنا بعد أن مزقتنا السياسة. وأن الموسيقى هشمت جدران الطائفية البغضاء بعد أن بنتها، بوعي أو بدون وعي، أنانيات الساسة، وضيق أفقهم، بل وربما إن جاز لنا القول، تخلفهم. فليس هناك ما يمكن أن يفسر الخضوع للطائفية والعمل وفق قوانينها سوى تلك الصفات التي إن نمت عن شيء، فإنما تنم عن فشل أولئك الساسة في التشافي من تلك الأمراض التي لم تعد مقبولة بمنطق العصر، دع عنك مقومات الخلفيات الثقافية المتحضرة. أعضاء الفرقة، ومن جلس على مقاعد المستمعين من البحرينيين، استمتعوا بليلة صدح فيها شعب البحرين الرافض للطائفية، بأنغام محمد بن فارس، وأحمد الجميري، وخالد الشيخ، بل وحتى فنانين عرب آخرين، أطربتنا أعمالهم، ولم نعر أي اهتمام لانتماءاتهم الفكرية أو لجذورهم المذهبية. لا يملك من حضر تلك الليلة إلا ان يتساءل: لماذا تتلاشى الفروقات المذهبية هنا، وتكشر عن أنيابها البغيضة فوق طاولة الحوار؟ ليس القصد هنا الإفراق في التبسيط، وحصر الإجابة في ناحية واحدة فقط قد تبدو ساذجة، لكن ربما يكون هذا هو جوهر الأمر. فالمصالح الذاتية زرعت الطائفية في المجتمع، وقسمته إلى فئات متناحرة، لم يستطع أي منها تنظيم الصراع إلى درجة ترقى إلى الترفع عن قوانين الطائفية، وبالقدر ذاته وحدت المصالح المشتركة لأعضاء الفرق سلوكهم وأرغمتهم على نبذ الفرقة والانصياع لقوانين الوحدة. بل ربما الأمر إلى ما هو أبعد من ذل ك، ويبيح لنا القول، أن ساستنا فشلوا في تنظيم الصراعات كي تنتقل إلى أروقة المؤسسات بدلا من ان تخضع لقوانين الشارع. ليس المراد هنا التغاضي عن النواقص التي تعاني منها مؤسساتنا التشريعية، ولا التستر عن التجاوزات التي تشوب سلوكيات إدارات السلطة التنفيذية بمختلف درجاتها في سلم التراتب الوظيفي، بقدر ما هو دعوة صادقة لتوسيع هوامش المعارضة التي تبيحها المؤسسات وتلك الإدارات، على حد سواء، من أجل الارتقاء بمستوى المكاسب التي يمكن تحقيقها لصالح المواطن من خلالها. عبر هذا الباب، متى ما اتفقنا على سلامة طرقه، يأمل المواطن من قياداته السياسية التمعن فيما يدعو إليه، كي تتمكن من تحقيق أربعة أهداف أساسية: 1. نبذ العنف بكل أشكاله، ومن أي طرف يمارسه، ومن ثم الانتقال بأشكال الصراع السياسي/الاجتماعي من نموذجها العنيف المتخلف السائد، إلى مستواها المتحضر الراقي. فما يولده العنف من أمراض سياسية، وآفات اجتماعية يفوق، مهما حاول البعض تبريره، أية مكاسب يمكن تحقيقها، ويتعمد البعض إبرازها. فمتوالية العنف الهندسية آفة حاقدة تلتهم في طريقها كل تلك المكاسب، وتنفث مكانها سموما تدمر المجتمع، وتهشم قيمه، وتزرع على انقاضها بذور معيقات تقدمه. 2. تطوير مؤسسات المجتمع التشريعية، بل وحتى التنفيذية، من خلال نقل الصراعات السياسية والاجتماعية إلى داخل تلك المؤسسات، ومن ثم فليس هناك من خيار آخر أمام المشاركين فيها سوى تعزيز مكانتها، وتوسيع نطاق تأثيراتها، بما يضمن المزيد من صلاحياتها. وفي كل ذلك حث الخطى على الانتقال من المجتمع الطائفي المتخلف، إلى المؤسساتي المتمدن. 3. تثبيت أقدام منظمات المجتمع المدني، وهي وحدها القادرة، أكثر من سواها، على تذويب الخلافات الطائفية، ومحاربتها من الداخل، بما يضمن وأدها، وإحلال العمل المجتمعي المتطور مكانها. وفي كل ذلك تحول تدريجي من المجتمعات المتشظية فئويا، إلى تلك المتماسكة سكانيا، بما يكفل سيادة المواطنة وحضور قوانينها في سلوكيات الناس، وعمل مؤسسات المجتمع. 4. سحب البساط من تحت أقدام من يستعين بالطائفية المبطنة للمتجرة بالشعارات الوطنية الجوفاء، فمن خلال التمسك بقيم المواطنة المعاصرة، يفقد تجار الطائفية كل أسلحتهم، وتتم تعريتهم من كل الأردية التي يلتحفون بها لتغطية دعواتهم الطائفية التي تعزز من مكانتهم على حساب تطور المجتمع، ورقي أبنائه، وتماسك مكوناته، بعيدا عن أي انتماء طائفي. كل ذلك يدفع المواطن كي يمني نفسه بأن تنقل «فرقة محمد من فارس»، بعد عودتها من المغرب إلى طاول الحوار فلربما أفاقت موسيقاها المتحلقون حول طاولته من سبات نومهم الطائفي، وأنهضتهم منه، كي ينتشلوا المجتمع من المستنقع المدمر المتربص به.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها