النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11927 الجمعة 3 ديسمبر 2021 الموافق 28 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:45AM
  • الظهر
    11:27AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

جناب السيد الفاضل الأكرم المكرم

رابط مختصر
العدد 8796 الجمعة 10 مايو 2013 الموافق 30 جمادى الآخر 1434

يتحدث خالد عبدالرحمن عبدالمغني في كتاب له بعنوان «بدايات الخدمة البريدية في الكويت» عن التواصل الذي كان قائما في الزمن القديم بين الاصدقاء والاهل والاحباب وأصحاب المهن الواحدة كالتجار عبر تبادل الرسائل الورقية بواسطة البريد، وهو يبشرنا بأن هذا النمط من التواصل بات يلفظ أنفاسه، وسوف يصبح قريبا شيئا من التراث كنتيجة لما يعيشه العالم من تطورات تكنولوجية مذهلة في مجال الاتصالات والتواصل بين الافراد والجماعات. فلا تستغربوا لو جاء يوم تغلق فيه مكاتب البريد في البحرين، ويسرح موظفوها، وتباع سياراتها في المزاد العلني، لقلة المترددين عليها أو لانتفاء أغراضها، من بعد أن عرفت بلادنا البريد منذ عام 1884 حينما تم افتتاح مكتب له في المنامة، ثم تبعه مكتب في المحرق في عام 1946 فمكتب في عوالي في عام 1950. ولا جدال في ان الباحث الكويتي خالد عبدالمغني محق في ما يقول، فاليوم مثلا لا قيمة لساعي البريد الذي كان الناس ينتظرون مجيئه بفارغ الصبر، وكان يحظى بالتكريم والحفاوة والاستقبال الحسن كلما جاء برسالة، بل كان يحصل على العطايا والإكراميات فيما لو حملت الرسالة أخبارا سعيدة. وبالمثل لم يعد هناك اكتراث بحسن الخط، أو بجودة القلم، أو بنوعية الحبر، أو نعومة الورق، أو جمال المغلف. كل هذا، ومعه أيضا ثقافة كتابة الرسائل، وتقاليد لهفة الانتظار لمعرفة الأخبار، توارى اليوم وصار نسيا منسيا، لصالح «الفاكس» و»الإيميل» و»المسجات» الهاتفية وغيرها من وسائل التواصل التي لا تحتاج لا إلى ورق، ولا إلى حبر، ولا قلم، ولا خط جميل، ولا تفكير، ولا مظروف أنيق متميز عن المظاريف الدارجة ذات الإطار المرسوم بالخطوط الحمراء والزرقاء المائلة. هل تتذكرون يوم كان المحبون والعشاق يقضون الساعات في المكتبات بحثا عن ورق ناعم مزين بالورود والفراشات لينقشوا عليها آهاتهم ولوعتهم للحبيبة، فإذا ما وجدوا ضالتهم انتقلوا للبحث عن قلم «خطاط» لا يخدش نعومة الورق ولا يجرحه ولا يسكب دموعه عليه أكثر من اللازم فيشوهه. فإذا ما انتهت العمليتان على خير اتجه تفكير المحب نحو أمر آخر مصيري هو ماذا يكتب؟ وكيف يكتب؟ وكان هذا يشكل معضلة للضعفاء في الإنشاء والخائبين في الإملاء. وبطبيعة الحال كانت الأسواق في تلك الحقبة تزدحم بكتبة العرائض الجالسين على قارعة الطريق ـ وخصوصا أمام مبنى بلدية المنامة، وبالقرب من مكتبة عبيد في شارع باب البحرين، وأمام سوق الخضرة القديم، وداخل الداعوس الموصل ما بين شارعي الحكومة والتجار الذي يشغله اليوم مطعم وخباز شعبي- ممن كانوا على استعداد لكتابة ما يريده المرء مقابل مبلغ متواضع. لكن اللجوء إليهم كان يحمل في طياته مصيبتين: الأولى هي افتضاح أمر علاقتك الغرامية وبالتالي تحولك إلى قصة تلوكها الألسن في الفرجان، والثانية أن كتبة العرائض كانوا في جلهم الأعظم جاهلون في أمور الشوق والهيام والغرام، بل كانوا في حقيقة الأمر لا يعرفون سوى صيغتين: واحدة لرسائل الشكوى والتظلم الموجهة الى الجهات الرسمية والمسؤولين، وأخرى للرسائل الإخبارية الخاصة. وكانت صيغة الأخيرة، بعد البسلمة والصلاة والسلام على الرسول وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، تبدأ بعبارة «إلى جناب السيد الفاضل الأكرم المكرم فلان بن فلان بن فلان الفلاني حفظه الله ورعاه ونوّر دربه وأصلح حاله ومدّ في عمره وأبقاه لأهله وأحبابه آمين يارب العالمين» وتنتهي بعبارة «بلغوا سلامنا وتحياتنا إلى إبنكم وقــُرّة عينكم فلان حفظه الله لكم وحفظكم له، وإلى أخيكم وسندكم ويدكم اليمنى فلان بارك الله فيه وبورك من رباه ورعاه، وإلى كافة الأهل والأصدقاء، وعموم أفراد أسرتكم الكريمة فردا فردا. أما من طرفنا فيبلغكم السلام العم فلان والخال فلان وابن العم فلان وابن الأخت فلان، وجميع معارفكم ومحبيكم من أهل الفريج والقهوة و»الميلس». تخيلوا فقط ردود فعل فتاتك إذا ما استلمت منك رسالة وفق هذه الصيغة! لا شك أنها ستكتم غيظها أو تسخر منك في أحسن الأحوال. أما ردة فعلها في أسوأ الأحوال فستكون «سطلا» من الماء الساخن أو «الصالونة» المغلية تسكبه فوق رأسك، على نحو ما فعلته الراحلة زينات صدقي مع المبدع عبدالسلام النابلسي في فيلم «شارع الحب». وعليه فقد كانت الطريقة المثلى لتغلب الخائبين والفاشلين في الخط والإملاء على معضلتهم هي الاعتماد على صديق صدوق لا يفشي الاسرار، ولديه إلمام بشؤون الهوى! شخصيا أتذكر أن أحدهم، وكان صاحب خط قبيح لا يرتجى من ورائه انجذاب أنثى له، خصوصا إذا كانت من المؤمنات بنظرية «أن خط المرء مرآة لشخصيته»، لجأ إليّ لمساعدته في كتابة «خط» ـ «هكذا كانت تسمى الرسالة في الماضي» ـ إلى محبوبته، من منطلق أني كثير المشاهدة لأفلام السينما المصرية ذات المضمون العاطفي والرومانسي، وليس من فرضية أني صاحب سوابق غرامية، وبالتالي خبير في شؤون الهوى. وأتذكر أني وافقته لا شعوريا، ربما لأنه «كسر» خاطري بسبب نحوله الشديد الذي ذكرني فورا ببيت الشاعر العاشق: كفى بجسمي نحولا انني رجل.. لو لا مخاطبتي إياك لم ترني. كنت على وشك أن أكتب له ما كتبه عماد حمدي لفاتن حمامة في فيلمها الخالد «بين الأطلال» لما استبد به حبها، ونصه: «وأنت يا توأم الروح.. يا منية النفس الدائمة الخالدة.. يا أنشودة القلب في كل زمان ومكان، مهما هجرت، ومهما نأيت، عندما يوشك القرص الأحمر القاني الدامي على الاختفاء، إرقبيه جيدا. فإذا ما رأيت إنكساره خلف الأفق، أذكريني»! لكني سرعان ما اكتشفت أن في النص ميلودراما فائضة عن الحاجة، وقد تصيب المرسل إليها بالهم والغم بدلا من الفرح والحبور والأمل، فقررت أن استبدله بشيء من أغنية عبدالحليم المعروفة «بحلم بيك»، وتحديدا الجملة التي يقول فيها: «بحلم بيك يا حبيبي أنا .. ياللي مليت أيامي هنا.. بحلم بيك عارف من امتى .. من أول ما عرفت أحب .. بحلم بيك وبحبك وإنت .. أول حب وآخر حب». لكني تذكرت أن صاحبنا يريد أن يبلغها أنه من شدة ولهه وعشقه لا ينام، فكيف يكتب لها ويكرر عبارة «بحلم بيك» التي لا يمكن الا ان يـُستشف منها ان قائلها ينام، بل ويحلم أيضا احلاما وردية! وبعد محاولات مستميتة، وجدت ما يناسب صاحبنا، فكدت أقفز وأصيح: «وجدتها .. وجدتها» على نحو ما فعله عمنا أرخميدس. فكتبتُ بخط أنيق على ورقة تزين زاويتين من زواياها ورود الحب الحمراء، وتزين الزاويتين الأخريين فراشتان ملونتان: أحبك فوق ما تتصور .. وأعزك فوق ما تتصور .. وطول عمري .. وأنا عيني عليك ياعيني بتدور .. أحبك وأعزك فوق ما تتصور .. عندي لك أشواق كتير .. عندي لك أحلام كتير. ولم أنس أن أطلب من صاحبنا الولهان أن يضع توقيعه تحت ما كتبته له، ولم ينس هو أن يسألني إن كان هناك من إضافة ضرورية كي يكسب قلب فتاته، فقلت له: نعم! أتمم الحبكة بتضمين الرسالة وردة جافة أو قطرة من عطرك، كما يفعلون في الأفلام. فوجدت في عينيه حيرة وتوسلا للمساعدة من جديد، لأنه لم تكن لديه ورود جافة، كما كان من جهة أخرى في خصومة دائمة مع العطورات، فيما عدا ايام الأعياد حينما كانت أمه ترغمه على رش قطرات من عطر «ريفدور» على جسده. وهكذا لم اجد مفرا من ان أعطيه عدة قطرات من عطري الخاص .. عطر «بروت» الامريكي الذي كان للتو قد راج في الاسواق وانتشر بين الشباب. غير ان هذا ايضا لم يسدل الستار على مشكلة صاحبنا، إذ قرأت في عينيه سؤالا ملحا حول كيفية إيصال «الخط» إلى وجهته الصحيحة دون الوقوع في مزالق لا تحمد عقباها مثلما حدث للكثيرين من الزملاء في زمن البراءة والعفوية والاحلام الكبيرة. ففقدت هنا صوابي، وأخبرته صراحة أن عليه أن يعتمد في هذا الأمر على نفسه ولا ينتظر مساعدة من أحد. ويبدو ان صاحبنا تصرف بطرقه الخاصة فأوصل «الخط» إلى حيث ما أراد بسرية، كما بدا أن ردود أفعال فتاته كانت مشجعة لأنه اكتفى بذلك ولم يعد يطلب مساعدتي من جديد. هكذا كان «الخط» في الزمن القديم، يقرب المسافات بين الأحبة، ويجسد على الورق ما في الفؤاد من وله وعشق، ويأتيك بالأخبار والحكايات والطرائف أيضا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها