النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

ظلال باهتة لأوهام مشاريع وخطابات عدمية!

رابط مختصر
العدد 8794 الاربعاء 8 مايو 2013 الموافق 28 جمادى الآخر 1434

يزهر خلال الأزمات سوقان: سوق المزايدة، وسوق النفاق، والسوقان كما علمتنا التجربة، وكما يؤكدها الواقع على الأرض بائران، والمشتغلون في السوقين لا ينتظرون من المجتمع احتراما، ولا من التاريخ تقديرا، لأنهم يعلمون تمام العلم بأنهم كائنات منبوذة، ولكنهم راضون بذلك لان همهم الأول والأخير إما جني الدعاية والبطولات المزيفة، وإما جني المكاسب الخاصة.. وتزاد هذه الحالة قسوة وقتامة إذا ما انخرط المثقف في إحدى السوقين، لأنه ما يجب أن يكون المثقف مشتغلا بالتطبيل والتزمير، كما لا يجب أن يكون مزايدا منخرطا في نشر اكاذيب الشتم السياسي، لأنه سيكون في كلتا الحالتين مساهما في تزييف وعي الناس وقلب الحقائق بالكذب الرخيص أو بالمدح الفاضح. إن السلطة- أي سلطة في العالم- تستطيع الاستفادة من المعارضين الرشد العقلانيين، أكثر من استفادتها من المؤيدين السطحيين، كما أنها تستفيد من الموالين الصادقين المخلصين الذين يقولون لها أحسنت إذا أحسنت وأخطأت إذا ما أخطأت، وإنها إذا ما عمدت إلى خنق النقد الموجه إليها، إنما تمهد السبيل لتشويه صورتها والإضرار بهيبتها ومكانتها، وذلك أن المثقف المدجَّن لن يجرؤ على تقديم نقدٍ بنَّاء للسلطة، ولا إلى تقديم نصيحة مفيدة تستهدف المصلحة العامة، لأنه يكون طوال الوقت منشغلا بممارسة النفاق العام والخاص، كما أن المعارض الأهوج لا يمكن إلا ان يشيد عالما من العدم والخواء وتزييف الوعي. في مقابل المثقف الموضوعي الذي ينشد الحقيقة والمصلحة، هو في الأساس لصالح السلطة والناس والمجتمع معا. والحقيقة أن المثقفين يمكن تقسيمهم إلى عدة فئات، منها على الأقل: • مثقفون أقصوا أنفسهم أو أقصتهم السلطة، لعجزها عن احتوائهم، ففضلوا العيش فيما يشبه الزهد. • ومثقفون تم تدجينهم أو توظيفهم أيديولوجيا، ليكونوا واجهات دعائية أو غوغائية، ويتنازل المثقف في هذه الحالة طوعا أو طمعا عن جدواه المعرفية، وقناعاته الفكرية، ليكون مجرد آلة منتجة للدعاية. • ومثقفون أخلصوا لأفكارهم التي قد تتوافق مع الرؤية التي تتبناها السلطة أو الاحزاب، عندما تكون رشيدة، ومع ذلك لا يكون موقفه تماهيا مطلقا مع أطروحاتهما، وإنما يكون مدافعا عن المشروع ومنتقدا للممارسات والأخطاء والسقطات بلا مجاملة، بما يساعد على المراجعة والتصويب والتعديل، وهذا الدور الرئيسي للمثقف، الذي يكون مطالبا بالانخراط في مشروعات مجتمعية وجماعية وقومية وإنسانية كبرى، و من موقع المسؤولية الفكرية، لا من موقع المنفعة الشخصية التي لا تخلق مثقفاً، فإذا انحسرت المشروعات الكبرى انحسر معها المثقف، وقد رأينا انهيار المشاريع النهضوية الكبرى على الصعيدين القومي والإنساني، قد أدى إلى سيطرة ظلال باهتة لأوهام مشاريع وخطابات عدمية أو هوائية مفرغة من أي قيمة فكرية أو إنسانية، بل وأدت في الغالب الأعم إلى الغرق في الأهداف النفعية الفردية التي حولت عددا متزايدا من المثقفين إلى فقاعات للشعار الفارغ من أي محتوى فكري أو إنساني. إن المطلوب في النهاية أن يكون المثقف عنصرا من عناصر إعادة بناء القيادة الاجتماعية وفق المتطلبات التي تقتضيها عملية التحول الديمقراطي العقلاني للمساعدة في إنارة الطريق بعيدا عن الغوغائية والنزعات الطائفية والقبلية والمناطقية التي تؤدي إلى تفكيك المجتمعات العربية وتحويلها هباء منثورا، وبذلك فقط بوسع المثقف أن يسهم في بناء التنوير الحقيقي و المساعدة على إنشاء قواعد عمل سياسي قائمة على أسس وطنية مدنية وليس على أسس فئوية أو طائفية.. جملة مفيدة: إنّ فشل مشاريع الحداثة العربيّة يرجع لكونها لم تدرك أنّ الغاية الحقيقية تتمثل في تعديل الحداثة بالحرّية، وتعديل الحرّية بالحداثة، أي في اغتناء الحداثة بالإنسانيّة..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها