النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11702 الخميس 22 ابريل 2021 الموافق 10 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

ديمقراطية المالديف المنسية

رابط مختصر
العدد 8791 الاحد 5 مايو 2013 الموافق 25 جمادى الآخر 1434

يعرف بعض العرب جزر المالديف كوجهة سياحية رخيصة مقارنة بغيرها من الوجهات السياحية في آسيا، لكني أشك في معرفتهم بديمقراطية هذا البلد التي تعرضت العام الماضي لهزة عنيفة بسبب الانقسامات الداخلية وصمت القوى الإقليمية والدولية. فهذا الأرخبيل الواقع في المحيط الهندي على بعد 700 كلم من الهند و400 كلم من سريلانكا استعمره البريطانيون منذ عام 1153، ثم وضعوه تحت انتدابهم في عام 1887، قبل أن يمنحوه الاستقلال في 1965 مع أفول نفوذهم في منطقة شرق السويس. ومع الاستقلال تحولت المالديف من سلطنة إلى مملكة يقودها «محمد فريد ديدي» الذي نصب نفسه ملكا رغم اعتراض البريطانيين الذين كانوا يفضلون بقاء البلاد كسلطنة لمدة 3 سنوات أخرى ريثما يتم إجراء انتخابات حرة يقرر فيها الشعب شكل النظام الذي يريده. هذا علما بأن محاولة كانت قد جرت في 1953 لإعلان الجمهورية، لكن السلطان بالتعاون مع البريطانيين تمكنوا من إفشالها. ويقال ان تلك المحاولة دفعت السلطان إلى الاسراع في الموافقة على إنشاء قاعدة عسكرية للبريطانيين على الأراضي المالديفية للمرة الأولى وذلك في 1957، مقابل حصول إدارته على ألفي جنيه إسترليني سنويا. في نوفمبر 1967 أجرى البرلمان المالديفي المكون من 44 عضوا تصويتا للاختيار ما بين التحول إلى ملكية دستورية أو التحول إلى جمهورية ديمقراطية، فصوت 40 عضوا لصالح الخيار الثاني. تبع ذلك إجراء استفتاء شعبي حول الموضوع ذاته فجاءت النتيجة 93.34 بالمائة لصالح النظام الجمهوري. وهكذا أعلنت الجمهورية في الأول من نوفمبر 1968 من بعد 853 عاما من الحكم الملكي والسلطاني، لتبدأ البلاد حقبة من اللا استقرار السياسي. تولى «إبراهيم ناصر» السلطة كأول رئيس للمالديف في 1968، وفي ظل رئاسته شهدت البلاد إجراء أول تعداد سكاني، كما شهدت تطور قطاعها السياحي وتحوله إلى مصدر مهم من مصادر الدخل القومي. غير ان الانقسامات السياسية والحزبية ما بين أنصاره ومعارضيه، وما تبعها من إلقاء القبض على رئيس الوزراء المنتخب «أحمد زكي» ونفيه في عام 1975 أدت إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية، وتوقف السياحة ومعها صادرات البلاد من الأسماك المجففة. ولعل ما تسبب في استفحال الأمور أكثر قرار بريطانيا بتصفية قاعدتها العسكرية. إزاء هذه التطورات لم يجد الرئيس «ناصر» وسيلة لتفادي نقمة الشعب سوى الفرار إلى سنغافورة في عام 1978 ومعه ملايين الدولارات من أموال شعبه الفقير. هنا برز الرئيس الثاني للبلاد «مأمون عبدالقيوم» الذي هيمن من خلال حزبه السياسي القوي على مقاليد الأمور لست فترات رئاسية متتالية ابتداء من عام 1978 وحتى 2008. وعلى الرغم مما نـُعت به من ديكتاتورية وفساد، فإنه نجح نجاحا باهرا في تامين الأمن والاستقرار وتنمية الاقتصاد واستعادة الروح السياحية لبلاده. لكن ما يجدر بنا ذكره هو أن «عبدالقيوم» تعرض خلال حقبته الرئاسية الطويلة لثلاث محاولات ان، أبرزها تلك التي وقعت في 1988 حينما استولى نحو مائتين من المرتزقة الهنود المدعومين من الرئيس الهارب «ناصر» وأعوانه على المطار الرئيسي في البلاد. وقتها ظل «عبدالقيوم» يقاوم متنقلا من مكان إلى مكان إلى أن عاد إلى قصره الرئاسي بفضل تدخل نفذته القوات الهندية من البحر والجو في نوفمبر 1988. في تبرير تدخلها قالت نيودلهي انها معنية بالأمن والاستقرار في هذا البلد الواقع ضمن مجال مصالحها الحيوية، وانها، فوق ذلك، حريصة على تعزيز ديمقراطية المالديف وعدم تشجيع الاستيلاء على السلطة بالقوة. في انتخابات 2008 الرئاسية «أول انتخابات تعددية حرة في تاريخ المالديف» كانت مشاعر النقمة الشعبية ضد ديكتاتورية «عبدالقيوم» قد وصلت ذروتها، الأمر الذي استغله جيدا المرشح الرئاسي «محمد نشيد»، أحد مؤسسي «الحزب الديمقراطي المالديفي» المعارض، والرجل المعروف شعبيا باسم «مانديلا المالديفي» كونه اعتقل وسجن أكثر من 20 مرة خلال حقبة «عبدالقيوم». ورغم شعبية «نشيد»، واختياره لمعارض آخر ذي جماهيرية هو «محمد وحيد حسن» كنائب للرئيس على تذكرته الانتخابية، فإنه لم يستطع الفوز من الجولة الأولى التي تقدم فيها «عبدالقيوم». إزاء هذا المأزق لم يجد «نشيد» بدا من التحالف مع كل الجماعات الأخرى المناوئة للنظام – بما فيها المتطرفة دينيا او إيديولوجيا من تلك المتصادمة مع أفكاره– فكانت النتيجة أن حقق فوزا بنسبة 54.25 بالمائة في جولة الإعادة. خلال فترة رئاسته ما بين 2008 و2012 تعرض «نشيد» لجملة من التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. فإضافة إلى ما تركه له النظام السابق من عجوزات في الموازنة، وعملة محلية متدنية القيمة، شهد القطاع السياحي تراجعا ملحوظا بسبب تداعيات كارثة تسونامي 2004، وبالتالي ارتفعت معدلات البطالة والفقر والفساد. أراد الرئيس الجديد معالجة هذه التحديات بغية زيادة شعبيته في مواجهة الجماعات السياسية التي تحالف معها أثناء الانتخابية، ولا سيما الجماعات الإسلامية المحافظة التي راحت تطالبه بتطبيق الشريعة ومنع السياحة. فتبنى حزمة من السياسات مثل زيادة ايرادات الدولة عن طريق فرض ضرائب على البضائع والخدمات، ومنح المساعدات الاجتماعية للمعاقين وذوي الحاجة. كما تبنى فكرة تكوين صندوق سيادي من أجل شراء رقعة جغرافية جديدة تنقل إليها البلاد وشعبها ومؤسساتها قبل غرق المالديف المتوقع بسبب ارتفاع منسوب مياه المحيط. لكن أيا من هذه السياسات لم تجد طريقها إلى التنفيذ بسبب إعاقة البرلمان لها. في خضم هذا المأزق، وتحديدا في ديسمبر 2011، قامت الجماعات الإسلامية بدعم خفي من الرئيس السابق «عبدالقيوم» بتحرك جماهيري واسع تحت شعار «حماية الإسلام»، فكانت هذه نواة حملة تأجيج وتحريض تفاقمت بتوقيف السلطات لقاضي قضاة المحكمة الجنائيـــة «عبدالله محمد» بتهمة الفشل في مساءلة مرتكبي جرائم الفساد والانتهاكات لحقوق الإنسان أثناء عهد «عبدالقيوم». وبتوسع حركة الاحتجاجات وانضمام الشرطة إليها بدلا من تنفيذ الأوامر بلجمها، شعر «نشيد» أن الأمور قد خرجت عن نطاق سيطرته، فظهر على شاشات التلفاز ليقدم استقالته، قائلا انه لا يريد إدارة البلاد بقبضة حديدية». لكن هذا الخطاب وتر الاجواء أكثر. إذ سرعان ما خرج أنصار «نشيد» إلى الشوارع، واشتبكوا مع الشرطة، فيما راحت كوادره الحزبية تردد أن رئيس البلاد الشرعي أجبر على الاستقالة تحت حراب العسكر في ما يشبه المحاولة الانقلابية المبيتة، وأنّ سرعة استلام «محمد وحيد» لرئاسة الجمهورية يثبت تورطه في الانقلاب. إن ما يعنينا في ختام هذا الحديث هو موقف أكبر دولتين ديمقراطيتين في العالم «الهند والولايات المتحدة» مما حدث لديمقراطية المالديف الوليدة. فالهند، على خلاف موقفها السابق في عام 1988، قالت ان التغيير في المالديف قد حدث بصورة «دستورية وسلمية»، وهو ما لا يمكن الجزم به. وهنا يقول البعض ان ما أملى على نيودلهي هذا الموقف هو خوفها من ميل «وحيد» نحو غريمتيها التقليديتين «باكستان والصين» فيما لو تدخلت إلى جانب «نشيد». أما واشنطون فقالت انها لا تؤيد دعوة «نشيد» بإجراء انتخابات جديدة سريعة، وان كل ما يعنيها هو عدم انتهاك حقوق الإنسان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها