النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11722 الأربعاء 12 مايو 2021 الموافق 30 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:26AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:15PM
  • العشاء
    7:45PM

كتاب الايام

عبدعلي.. عضّـــه!

رابط مختصر
العدد 8789 الجمعة 3 مايو 2013 الموافق 23 جمادى الآخر 1434

أصدرت لي مطابع الأيام في عام 2004 اول كتاب يؤرخ للبث التلفزيوني في منطقة الخليج العربي، ونقصد به بث تلفزيون أرامكو من الظهران الذي انطلق رسميا في 16 سبتمبر 1957 ليكون البث التلفزيوني الثاني في منطقة الشرق الأوسط بأسرها بعد بث تلفزيون بغداد الذي بدأ في أواخر 1956 ولم يكن قادرا سوى على تغطية مدينة بغداد وضواحيها لأن قوة المحطة التلفزيونية لم تزد عن نصف كيلوواط. الكتاب الذي نشر تحت عنوان «الخليج والتلفزيون: القصة الكاملة لأول محطة تلفزيون في الخليج» لا يزال إلى اليوم محط اهتمام الكثيرين، ربما لأنه يـُعيــّشهم في أجواء لم يعيشوها، أو يذكرهم بزمن جميل لن يعود، وبحكايات مثيرة لهم مع هذا الجهاز السحري المكعب الذي استقبله الناس في بداية الامر بالاستنكار والحذر الشديدين ككل جديد دخل مجتمعاتهم. ولأن شركة أرامكو كانت تدرك ذلك جيدا فقد حاولت أن تخفف الصدمة، فمهدت السبيل امام اطلاق البث التلفزيوني بنشر أخبار في أوساط العامة مفادها قرب وصول «راديو جديد متطور» من مميزاته ان بإمكان صاحبه أن يرى من خلاله صورة مطربه المفضل وهو يشدو بأجمل الألحان، ويتمايل ويرقص معها. غير أن هذه الأخبار تسببت في حيرة الناس، وأثارت في صفوفهم الكثير من التساؤلات، ودفعتهم إلى ضرب الأخماس بالأسداس في المقاهي الشعبية والمجالس والديوانيات حول الجهاز المنتظر. فقد تساءل البعض قائلا: هل ياترى يختفي في بطن الجهاز الجديد صاحب «لمع البرق اليماني» أو صاحب «عمي يا بياع الورد» أو صاحبة «أنا وخلي تسامرنا»، أم أنه مقتصر على مطربي مصر وبلاد الشام؟ فيما دخل البعض الآخر في جدال طويل، مصرا على اقتصار الجهاز الجديد على تقديم المطربين الأحياء دون الأموات، ونافيا بصورة قاطعة إحتوائه على رواد فن الصوت الخليجي الأوائل من أمثال محمد بن فارس، وضاحي بن وليد. وكان هناك فريق ثالث يؤكد أن الجهاز لن يستوعب إلا أصحاب البذلات الأوروبية بإعتباره قادما من بلاد الغرب، وبالتالي فإنه قد يقدم محمد عبدالوهاب وفريد الأطرش لكن من المحال أن يقدم حضيري بوعزيز أو داخل حسن أو غيرهما من مطربي الريف العراقي. من جهة أخرى كان هناك من كذب الخبر جملة وتفصيلا وزعم بإستحالة حدوثه إلا إذا كانت ساعة القيامة قد اقتربت، وكان هناك من صدق الخبر بثقة، منطلقا من قناعة أن «الإنكريز» «ومصطلح الإنكريز هنا يعنى الغرب عموما» قادرون على كل شيء! ألم يخرجوا سائلا لزجا من باطن الارض يصبونه في العربات فتطوي الأرض طيا؟ ألم يحولوا الحديد إلى طائر يتنقل ما بين السحب والغيوم وعلى متنه المئات من البشر ومئات الأطنان من الأمتعة والبضائع؟ جملة القول أن البث التلفزيوني بدأ وبالتزامن مع ذلك أو قبله بقليل دخل الجهاز السحري الأسواق، ومن ثم البيوت وبعض المقاهي، وتأكد الجميع أن ما سمعوه ليس خرافة أو سحرا. غير أن التلفزيون أحدث في السنوات الأولى لدخوله مجتمعاتنا إنقلابا في حياة الناس وأولوياتهم، وعلاقاتهم الإجتماعية، ووتيرة برامجهم اليومية. فالذي كان يذهب إلى فراشه مع الثامنة مساء بمجرد التهامه لكسرة خبز وصحن من الباجيلا أو النخي، أصبح لا يلجأ إلى فراشه إلا مع انتصاف الليل. إلى ذلك كثرت حالات التأخر عن الأعمال والمدارس، وأصبح الصبية يختلقون الأعذار لزيارة بيوت الجيران الموسرين، إن لم يكن من أجل التسمر مع أقرانهم أمام الشاشة فعلى الأقل من أجل إطلالة سريعة على الجهاز العجيب، وتحولت ملاعب المدارس أثناء فترات الراحة ما بين الحصص الدراسية، وكذا أسطح المنازل في فترة ما بعد العودة من المدارس، إلى ما يشبه المسارح المفتوحة، يقلد فيها الصغار ما شاهدوه البارحة من أفلام رعاة البقر بخيولها وقطعانها ومسدساتها ومطارداتها. وكثيرا ما كانت تنشب الخلافات بين هؤلاء الصغار من بعد بدايات هادئة في التمثيل، كنتيجة لإصرار أحدهم على أنه لم يصب بطلق زميله وبالتالي لا يزال حيا وقادرا على المشاركة في بقية الأحداث، وإصرار مطلق الرصاصة على أنه قد قضى نهائيا على زميله وحوله إلى جثة هامدة. ولأن الصحافة المحلية في تلك الأيام كانت بدائية وذات صفحات معدودة لا تتجاوز الأربع، وبالتالي لم تكن فيها مساحات كافية لنشر قوائم بما سوف تبثه الشاشة الصغيرة من برامج وأفلام، مثلما تفعل الصحف اليومية في وقتنا الحاضر، فإن تلفزيون أرامكو لجأ إلى طباعة قوائم إسبوعية باللغتين العربية والإنجليزية لما سوف يتم بثه كل يوم إبتداء من السبت وحتى الجمعة. وكانت هذه القوائم توزع مجانا من خلال مراكز توزيع داخل الأسواق التجارية في مدن المنطقة الشرقية والبحرين. وفي البحرين دأبت نشرة «النجمة الإسبوعية» الصادرة عن شركة بابكو على تضمين أعدادها تلك القوائم كخدمة مجانية لعشاق الشاشة الصغيرة. ولحسن الحظ لازلتُ أحتفظ بنسخة من تلك القوائم، لأننا ونحن صغار كنا نمر على مراكز التوزيع أكثر من مرة في اليوم، ومن كل مركز كنا نأخذ «هبشة» أوراق، وذلك من أجل إستخدام خلفيتها البيضاء الناصعة في الرسم والتدرب على الخط، أو التمرن على حل مسائل الجمع والطرح والضرب، أو كتابة مسودات مادة الإنشاء، وبذلك كنا نقتصد في استهلاك كراساتنا، ونوفر بالتالي على أسرنا متواضعة الدخل بضع روبيات. طبقا لقائمة البرامج الموجودة امامي والتي تعود الى عام 1965، فإن محطة تلفزيون أرامكو كانت تعرض خمسة أفلام مصرية كل إسبوع، من خلال برامج «المختار من أفلام المسرح العربي» مساء كل سبت، و»استعراض الأفلام» مساء كل إثنين، و»قصة الإسبوع العربية» مساء كل ثلاثاء، و»المسرح العربي» مساء كل خميس، و»مايطلبه المشاهدون» مساء كل جمعة. بينما كانت تعرض المحطة في بقية الأمسيات فيلما من أفلام هوليوود. أما المسلسلات الأمريكية مثل «بيري ميسون» و»لوسي» و»البيت السعيد» و»فرق الإنقاذ» و»قطعان المواشي» والكلبة «لاسي» و»الهارب» فكانت موزعة على ايام الإسبوع، وتعرض عصرا أو في ساعات المساء الأولى. بقي أن نشير إلى برنامج مهم آخر كان تلفزيون ارامكو يعرضه مرتين في الأسبوع بعد منتصف ليل الأحد والأربعاء، وكان يستقطب مشاهدين كثر من مختلف الأعمار والشرائح الإجتماعية. لم يكن هذا البرنامج سوى حلقات من المصارعة الحرة من الحلبات الإمريكية. كان الرجال يحرصون على حضوره وتشجيع أحد المتصارعين، وربما المراهنة على فوز أحدهما، لذا كان من المألوف أن تجد من يجلس على بعد مترين أوثلاثة أمتار من جهاز التلفزيون في بداية المباراة وقد صار ملتصقا بالجهاز قبيل انتهائها بسبب حماسه المقترن بالزحف شيئا فشيئا نحو الشاشة. كما ان الصغار كانوا يستهوون هذا البرنامج ويحرصون على مشاهدته، فقط من باب أن يتعلموا من المتصارعين ما يعينهم على الحاق الهزيمة بخصومهم في المدرسة او «السكيك» خلال «الهوشات» والمشاغبات. أما النساء - ومعهن الاسرة كلها – كن منجذبات الى المصارعة الحرة أيضا عشقا وهياما بتعليقات معلق تلفزيون أرامكو الأشهر المرحوم «عيسى الجودر» الذي لم يستطع أحد أن يجاريه أو يتفوق عليه في التعليق على هذا النوع من المسابقات الرياضية، لأنه كان يستخدم اللغة السهلة غير المتكلفة والقريبة من قلب المشاهد وعقله، ناهيك عن استخدامه للهجة البحرينية الجميلة، وما بها من أمثال شعبية وقفشات خفيفة. اعتاد مشاهدو المصارعة الحرة أن يسمعوا من الجودر، وهو ينتصر لأحد المتصارعين، عبارات مثل: «طيحة العود مصيبة»، و «عندك إياه .. طقه .. دوس في بطنه .. لا توخر عنه» و «ما عليك منه .. لا يقص عليك .. تراه خرطي»، غير أن الجودر فاجأ مشاهديه ذات مرة، وهو في عنفوان تعليقه على إحدى حلقات المصارعة، بقوله «إلحق يا عبدعلي .. عضه»! الأمر الذي أصاب الكثيرين بالحيرة وجعلهم يتساءلون: «من ياترى عبدعلي هذا الذي خصه الجودر بالذكر صائحا؟» وملخص الحكاية أن المرحوم الجودر كان يتسوق ذات مرة عند باب البحرين، فإذا برجل قروي مسن من عشاق المصارعة يستوقفه ليعرفه بنفسه قائلا «أنا عبدعلي من جنوسان .. أحب المصارعة لأنها تذكرني بشبابي وأيام عافيتي»، ثم ليسأله «لماذا لا يتخلص المصارع من خصمه في حالة مسكة المقص بعضّه في أي مكان؟». وطبعا اجابة الجودر كانت أن العض ممنوع في المصارعة طبقا للوائح والأحكام. وتمر الأيام وتتوالى حلقات المصارعة إلى أن يتفاجأ الجودر ذات يوم وهو يعلـّق بأحد المصارعين يعض خصمه في يده، فما كان منه إلا أن تذكر عبدعلي فصاح عليه مناديا بصورة عفوية. من برامج محطة تلفزيون ارامكو الأخرى التي لن تنمحي من ذاكرة جيلنا برنامجان محليان كانا يصوران داخل ستوديوهات المحطة في حي كبار الموظفين بالظهران: الاول هو ركن الأطفال من تقديم الفنان جميل حطاب الذي كان يستدعي في كل حلقة من برنامجه مجموعة من الأطفال بناء على طلباتهم الكتابية، فيلقي على مسامعهم قصصا وحكايات فيها العبر، ثم يطلب منهم فردا فردا ان يقدموا ما يحلو لهم من اناشيد او حكم او قصائد، ويختتم برنامجه بتوزيع بعض الهدايا البسيطة عليهم. وأتذكر أن «بابا حطاب» كان يحرص على استدعاء بعض أطفال البحرين للمشاركة في برنامجه. فكان هؤلاء يذهبون مع أولياء أمورهم إلى الخبر بحرا بالمراكب في رحلة تستغرق ما بين 3-4 ساعات، وينتقلون من فرضة الخبر إلى الظهران برا بسيارات الأجرة، ويعودون إلى البحرين بالطريقة نفسها، وكل هذا من اجل الظهور على شاشة ذلك الصندوق السحري. والبرنامج الثاني هو «المباراة الثقافية بين المناطق الثلاث» من إعداد وتقديم المرحوم «فهمي البصراوي» الذي أوكلت إليه، في الوقت نفسه، مهمة تقديم برامج أخرى كثيرة بسبب لغته السليمة، وطلته الجذابة، وثقافته الواسعة. ورغم أن إسم هذا البرنامج الثقافي يوحي بان المتسابقين يفترض أن يكونوا من مناطق النفط الرئيسية الثلاث «الظهران وبقيق ورأس تنورة»، فإن البصراوي كان يختارهم من سائر المناطق ومن مختلف الأعمار، ويجري لهم «بروفات» للتأكد من معلوماتهم الثقافية قبل ظهورهم على الشاشة. وفي زمن كانت فيها مصادر المعلومات شحيحة، لعب هذا البرنامج وشبيهه برنامج «لكل سؤال جواب» دورا هاما في تثقيف المشاهدين وحقنهم بجرعات من المعلومات المفيدة في شتى حقول المعرفة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها