النسخة الورقية
العدد 11177 الجمعة 15 نوفمبر 2019 الموافق 18 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

«المعارضة التسلطية العربية: من منظور مختلف»

رابط مختصر
العدد 8786 الثلاثاء 30 ابريل 2013 الموافق 20 جمادى الآخر 1434

يعتبر الكاتب الراحل خلدون النقيب من رواد علماء الاجتماع العرب الذين تناولوا استبدادية الدولة المشرقية من منظور اجتماعي/ سياسي اقتصادي، ويحفظ للراحل جرأته في تناول تلك الموضوعات من زاوية علمية زاوج فيها بين الجذور التاريخية لتطور مؤسسات الدولة الاستبدادية العربية إثر رحيل الاستعمار عن البلاد العربية وبدء تأسيس الدولة العربية المعاصرة. وبالإضافة إلى أوراقه العلمية، وهناك كتاباه: الأول هو، «المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية: من منظور مختلف»، والثاني كان، «الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر: دراسة بنائية مقارنة». كلا الكتابين من اصدارات مركز الوحدة العربية في بيروت. تتمحور قراءات النقيب، رحمه الله، في تناوله لتسلط الدولة واستبدادها حول قدرتها على التسلل إلى قلب منظمات المجتمع المدني، وتحويلها إلى امتدادات تنظيمية لمؤسسات الدولة، من خلال الترهيب أحيانا والترغيب في حالات كثيرة أخرى، مما يبيح لها تهميش دور تلك المنظمات المهني/ السياسي في المجتمع، بعد تفريغها من محتواها النقابي، وتحويلها إلى منظمات تذعن لأوامر الدولة، وترتهن لسياساتها، وتروج لسياستها الاستبدادية. تتبع الدولة العربية دورها الاستبدادي، بتسلطها على الاقتصاد القومي، بتوسيع دور وحضور القطاع العام، دون أية مراعاة لقوانين السوق، على حساب مساهمات القطاع الخاص، لضمان نمو الأول، وضمور الثاني، بما يكفل تبعية الثاني للأول، ويؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى سقوط البرجوازية الوطنية ثمرة خانعة في يد الدولة ومؤسساتها، الأمر الذي يسهل لهذه الأخيرة الإمعان في تسلطها على المجتمع. تتوج الدولة العربية الاستبدادية تسلطها بالاستعانة بالدين من خلال اختراق مؤسساته، واستمالة رجالاتها، فتنحرف الأنشطة الدينية عن دورها الوعظي، وتلج طريق العمل السياسي المرتهن لمشاريع الدولة وبرامجها. ولا تتردد الدولة، وهي في خضم ترسيخ نفوذها التسلطي، عن ارغام القيادات الدينية على تزوير الطروحات الدينية، وتجييرها لما يخدم توجهاتها التي تكرس تسلطها على المجتمع. ما لم يأت على ذكره النقيب، رحمه الله، عند تناوله مظاهر وأدوات الدولة الاستبدادية المشرقية، هو انتقال تلك العدوى إلى المعارضة العربية، حتى قبل تسلقها ووصولها إلى سدة الحكم. ولعل من ميزات ما عرف باسم «الربيع العربي» نجاحه في تعرية «النزعات الاستبدادية» المتأصلة في غالبيته، كي لا نعمم فنقول جميع، المعارضات العربية وهي ما تزال تضع أول خطواتها على طريق استلام السلطة، بل أن البعض منها كشف عن تلك النزعة وهو في المراحل الجنينية من ترسيخ نفسه كقوة معارضة. فمن يجرد مسيرة القوى المعارضة العربية في مناهضتها للأنظمة العربية القائمة سيكتشف، دون الحاجة إلى التدقيق أو ذكر أسماء، إلى أن المعارضات العربية، على اختلاف مشاربها، لم تتردد في استعارة الطرق الاستبدادية التسلطية التي مارستها الأنظمة القائمة، والتي يفترض أن تشكل تلك المعارضات البدائل التاريخية المنطقية لها. بل شاهدنا، وعلى امتداد السنوات الثلاث الماضية، سلوكا استبداديا في صفوف القوى المعارضة العربية تركز في محورين أساسيين: الأول هو تسلطها على منظمات المجتمع المدني، وتحويلها عن مسارها الصحيح بالإمعان في تسييسها. والمقصود بالتسييس هنا ليس ذلك التسييس الراقي الذي يجعل من تلك المنظمات رافدا أساسيا من روافد العمل السياسي، وإنما ذلك الذي يحولها إلى منظمات سياسية تمارس العمل السياسي المباشر، وتهمل دورها المهني والمجتمعي. هذا التسلط غير المبرر، ولا المقبول أيضا، ولد منظمات مجتمع مدني عربية مشوهة، لم تكن قادرة على تحقيق النجاح في أي من المجالين: السياسي المفتعل، والمجتمعي المفترض. خلق ذلك مظاهر سلبية مزدوجة مست صلب منظمات المجتمع المدني، وهشمت هياكلها، وقزمت قياداتها، حيث شجع ذلك النهج الاستبدادي العناصر غير الكفؤة على تسلق جدران تلك المؤسسات، والوصول إلى أعلى المناصب القيادية فيها من جانب، ونفور العناصر النقابية الكفؤة، وانكفائها عن ممارسة دورها في صفوف تلك المنظمات من جهة ثانية. أما المسار الثاني، فلم يكن مختلفا عن ذلك الذي مشت فيه الدولة التسلطية، وهو الاستعانة بالمؤسسة الدينية، بعد تلوينها باللون السياسي لذلك الفصيل من أطراف المعارضة، او ذاك. وهكذا تحولت بيوت الله وأماكن العبادة من مؤسسات لممارسة الطقوس الدينية والتقرب إلى الله، إلى مراكز للتأجيج والتجييش. أسوأ ما تمخض عن الزج بالدين في أتون العمل السياسي، هي تلك النزعات الطائفية التي لم تحرف الدين عن مساره الطبيعي فحسب، بل نجحت في شق صفوف المجتمع، وشرذمته ليس بتقسيمه دينيا فحسب، وإنما بتمزيقه طائفيا ضمن الديانة الواحدة. فوجدنا الشارع العربي تائها وهو يبحث عن طريق الهداية بين أديانه المختلفة أولا، ثم يعود بعد ذلك ليفتش عن مساره الطائفي الملتوي بين تلك الطرق الدينية. ربما هناك من يلقي باللائمة على الدولة التي وجدت في إنعاش تلك السلوكيات ما يسهل عليها ترسيخ سلوكها الاستبدادي، لكننا، ودون أن نعفي الدولة العربية المستبدة من هذه المسؤولية، لا يمكننا أن نغض الطرف عن انحرافات المعارضة العربية، ونحذرها من أجنة الاستبداد التي بدأت تتسلل إلى أجسادها، والتي يمكن أن تحولها، فيما لم تقتل تلك الأجنة وهي ما تزال في المهد، قبل أن تشب على الطوق، ويصبح من الصعب التحكم فيها، إلى معارضات مستبدة لا تختلف، في الجوهر عن تلك السلوكيات الاستبدادية التي تمارسها الأنظمة القائمة، والتي تدعي تلك المعارضات انها البديل التاريخي لها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها