النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

هدنة الحوار

رابط مختصر
العدد 8784 الأحد 28 ابريل 2013 الموافق 18 جمادى الآخر 1434

الحوار، في تاريخ الشعوب، هو شكل من أشكال تنظيم الصراعات بين أطراف مختلفة، تضاربت مصالحها، واختلفت اتجاهاتها، ووجدت في الجلوس إلى طاولة واحدة من أجل الوصول إلى حل لتلك الصدامات سبيلا حضاريا مجديا يضع حدا لتلك الخلافات بعيدا عن ساحات الحروب. ومن هنا يأتي الحوار وسيلة من وسائل الانتقال من المواجهة العسكرية لحسم الصراعات، إلى الأسلوب السلمي للوصول إلى نهايات تضع حدا لتلك الخلافات. وقد عرف التاريخ العربي منهجا حضاريا لتنظيم العلاقة بين المتصارعين عسكريا، ففي الفترة التي سبقت الإسلام، بدأ العرب بتحريم أشهر ثلاثة هي ذي القعدة وذي الحجة ومحرم، ثم أتبعوا ذلك بتحريم القتال في رجب. وكما تروي كتب التاريخ، كان القصد من تحريم القتال في ذي القعدة (معناه القعود)، هو إتاحة الفرصة أمام القبائل العربية كي تتمكن «من السير إلى الحج ويسمونه القعدة لقعودهم عن القتال فيه»، أما ذي الحجة، فكان «لأداء مناسكهم وأسواقهم»، ثم يحتاجون لشهر محرم كي «يعودوا إلى ديارهم». أما رجب فيقال إنهم حرموا القتال فيه «في وسط الحول لأجل زيارة البيت والإعمار، فيأمن قاصد البيت الغارة فيه». واحترم العرب حينها قيم السلام خلال تلك الأشهر، وحرصوا على التقيد بعدم الاقتتال فيها لدرجة أنهم حين يلقى « الرجل فيها قاتل أبيه وأخيه فلا يهيجه، استعظاماً لحرمة هذه الأشهر التي هي هدنة تستريح فيها القبائل فتنصرف الى الكيل والامتياز والذهاب إلى الأسواق وهي آمنة، مستقرة لا تخشى اعتداءات ولا هجوماً مفاجئاً». ومن ثم يتحول المجتمع حينها، وبشكل جمعي، من ذهنية الحرب وسلوكياتها، إلى عقلية السلام ومتطلباتها، فلا تتوقف الحروب فحسب، بل تهدأ الألسن أيضا. ثم جاء الإسلام، فكرس ذلك ونزلت الآيات الكريمة التي تدعو إلى احترام الأشهر الحرم، كما في سورة البقرة،»يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ» «البقرة:217». ولا داعي هنا إلى العودة إلى قصة الرسول عليه السلام مع عبدالله بن جحش مع رفاقه حين تصدوا لقافلة تحمل تجارة لقريش فقاتلوها، رغم أنه لم يأمرهم بالقتال. تقيد النبي عليه السلام حينها بما التزم به مع قريش، رغم تناقضه العقيدي معهم، وصراعه الاستراتيجي مع سياساتهم المناهضة لدعوته. وكأي سلوك إنساني آخر، تطور مفهوم الأشهر الحرم، حتى أصبح يعرف باسم «الهدنة»، والتي تعرفها كتب اللغة على أنها « وقف القتال بين المتحاربين مع استمرار حالة الحرب بينهم، و(هدنة) بمعنى دعة وسكون» واتفق الْمُتَحَارِبُونَ عَلَى هُدْنَةٍ، (تعني) وَقْفُ الْحَرْبِ إِلَى حِينٍ بِهَدَفِ الاِتِّفَاقِ عَلَى صُلْحٍ، وَالأَمَلُ كَبِيرٌ أَنْ يَتْبَعَهَا سِلْمٌ دَائِمٌ، وسَادَتِ الْهُدْنَةُ الأَرْجَاءَ: تعني السُّكُونُ». وعرف التاريخ العربي الكثير من «الهدن» سواء بين الدول العربية المتجاورة، أو بين البعض منها والأعداء الخارجيين، لعل الأشهر بينها هدنة «الرملة» تلك التي قبل بها «صلاح الدين الأيوبي مع الاحتلال الصليبي». والتي كما أشار لها أبو زهري كان «السبب الرئيس من إعلان الاتفاق والصلح بين المسلمين والصليبيين وهو عجز كلا الطرفين عن حسم الصراع». إذا فأحد الأسباب الرئيسة التي تدعو أطراف النزاع إلى اللجوء إلى هدنة هو اقتناعها بوصول الأمور بينها إلى درجة لم يعد أمامها من خيار آخر سوى الاتفاق على هدنة. وكما تعلمنا كتب التاريخ فعندما يبادر أحد المتحاربين ويتقدم «بطلب هدنة إلى الطرف المضاد في النزاع وبعد عدة مفاوضات ولقاءات يتم التوقيع على الهدنة من قبل الأطراف المتنازعة التي قامت بالتفاوض. لا يهدف الطلب إلى وضع حد إلى الحرب ولكن لوقف العمليات الاقتتالية ويسمح للطرف الذي طلب الهدنة لتجنب الإذلال من الطرف الآخر». وكما للاقتتال شروطه وقيمه، كذلك الأمر بالنسبة للهدنة، فهي الأخرى تمتلك آلياتها الخاصة بها حيث، كما يدعو لذلك الخبراء الاستراتيجيون حيث «تشكل خلال الهدنة لجان (ليست بالضرورة، كما يتوهم البعض، دولية، بل ربما من الأجدى أن تكون محلية) تقوم بمراقبة اتفاقيات الهدنة، للإشراف على أسرى الحرب وضمان تطبيق الهدنة نفسها». فالهدنة لا تعدو كونها عقدا اتفق عليه أطراف النزاع فحسب، إذ لا بد لهذا العقد من بنود تنظم نقل شروطه من الورق الذي دونت عليه إلى أرض الواقع الذي احتاج له. وإذا اتفقنا أن أي حوار توافقي، ليس في جوهره سوى شكلا من أشكال الصراع كان القصد من وراء الدعوة له هو الوصول بشكل حضاري راق إلى حل لإشكال قائم في المجتمع، فمن المنطقي هنا ان المتحاورين، وفي منعطفات حادة من مراحل ذلك الحوار، قد يجدون أنفسهم بحاجة إلى «هدنة»، يسترجعون فيها أنفاسهم، ويعيدون خلالها النظر في رؤيتهم، ويتشاورون أثناءها مع حلفائهم، ويقيسون بواسطتها ردة فعل الشارع الذين يخاطبونه، دون ان يعني ذلك فشل الحوار، أو وصوله إلى طريق مسدودة. هدنة الحوار، وهي بطبيعة الحال، مختلفة في الجوهر عن هدنة الاقتتال، محطة مهمة لا يستغنى عنها، عندما يشعر المتحاورون، وليس المتحاربين، أن الاستمرار في الحوار، بخلاف رغبة أطرافه كافة، أصبح هدرا للوقت، واستنزافا للجهد، وربما تسعيرا للنفوس. حينها تأتي الهدنة بمثابة «استراحة المحاور»، التي ربما، عندما يستأنف الحوار تكون بمثابة حقنة الشفاء التي تسير بالجميع نحو حوار هادف واضح المعالم، محدد النهايات.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها