النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11722 الأربعاء 12 مايو 2021 الموافق 30 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:26AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:15PM
  • العشاء
    7:45PM

كتاب الايام

الهواية: جمع المناظر الطبيعية ومراسلة الجنسين

رابط مختصر
العدد 8782 الجمعة 26 ابريل 2013 الموافق 16 جمادى الآخر 1434

في الخمسينات والستينات من القرن الماضي تخصصت بعض المجلات العربية الأسبوعية، ولا سيما اللبنانية منها مثل مجلتي «الموعد» و»الشبكة»، ثم لاحقا الكويتية منها مثل مجلتي «النهضة» و»المجالس» في ترك صفحتين «وأحيانا أربع صفحات» من صفحاتها لعرض صور وعناوين وهوايات بعض الأشخاص من مختلف الدول العربية بغرض التعارف. كان معظم من يراسلون هذه المجلات لهذا الغرض تحديدا، وبالتالي يزيدون مبيعاتها، هم من أبناء عمان واليمن وإمارات الساحل المتصالح، وكان معظم المنشور يأخذ الصيغة التالية: «فلان الفلاني من الدولة الفلانية، عمره كذا، ويهوى جمع الطوابع والمناظر الطبيعية ومراسلة الجنسين» بل كان البعض لا يجد حرجا في القول أنه يهوى مراسلة الفتيات فقط. أي بكلام آخر: «يا شباب لا تتعبوا أنفسكم وتراسلوني، فأنا لا أرد إلا على رسائل الفتيات». كما ان الكل كان حريصا على إرفاق بطاقته التعريفية بصورة فوتوغرافية، غالبا ما كان صاحبها يحرص على أن تكون قديمة كي لا يكتشف الآخر عمره الحقيقي، بل كان يحرص أيضا أن يبدو فيها في كامل أناقته، ولا بأس لو أظهرته الصورة وهو يرتدي نظارة شمسية من نوع «بيرسول» أو «راي بان» أو وهو يضع يده تحت ذقنه بهدف إضهار معصمه المزين بساعة من نوع «ويست إيند» أو «فافر لوبا»، كدليل على أنه صاحب مصدر دخل معتبر. بل كان البعض من هؤلاء يشترط على المصور أن يــُظهر في الصورة قلم الحبر المثبت في جيب قميصه أو ثوبه. وبطبيعة الحال فإن الزج بهواية جمع المناظر الطبيعية في البطاقة التعريفية لم يكن يعني أن صاحبنا من هواة اقتناء لوحات المناظر الطبيعية المرسومة بريشة كبار الفنانين -فهذا لم يكن في مقدور أبناء جيلنا- وإنما كان يعني فقط أنه من جامعي البطاقات البريدية «البوست كارد» الملونة المجسدة لمناظر ومعالم من هذه الدولة أو تلك. صحيح أن هواية التعارف والمراسلة لعبت في تلك الحقبة دورا في تحسين خطوط أصحابها، وتطوير قدراتهم على التعبير والإنشاء، والتواصل كتابيا مع اشقائهم العرب، لكنها من ناحية أخرى أوقعتهم في الكثير من المطبات والحيل، ولا سيما أولئك الذين كانوا يشددون على هواية «مراسلة الجنسين» أو «مراسلة الفتيات». ذلك أن مراسلة الجنسين أو الفتيات لم تكن سوى حيلة بارعة للوصول إلى قلب فتاة من الخارج، وإقامة نوع من العلاقة معها على الورق على أمل أن تتحول تلك العلاقة لاحقا إلى حب فغرام فلقاء فزواج. وفي هذه النقطة تحديدا كان البعض من هواة التعارف في الأقطار العربية كمصر ولبنان وسوريا والأردن وبلدان المغرب العربي يستغل سذاجة أقرانهم في أقطار الخليج وشبه الجزيرة العربية، وتعطشهم للخروج على التقاليد الاجتماعية المقيدة للتواصل مع الإناث، فيراسلهم على أنه فتاة أعجبت بصورته وبطاقته التعريفية المنشورة في مجلات التعارف آنفة الذكر، وتريد التواصل معه. فكان المــُرسل إليه يتحمس ويرد على الرسالة بسرعة صاروخية، طالبا من المـُرسلة الوهمية أن تبعث له بصورتها. فتشترط الأخيرة عليه أن يبعث لها أولا بهدية «زجاجة عطر ثمينة أو قلادة ذهبية أو مبلغا من المال مثلا». فإذا ما اضطرت الأنثى الوهمية لإرسال صورتها، بادرت إلى استنساخ صورة لفتاة مجهولة صارخة الجمال لدى أحد المصورين، وإرسالها إلى هاوي التعارف الولهان على أنها صورتها، مع التوقيع خلفها تحت العبارة التي كانت دارجة في تلك الايام، ونصها هو: «أهديك رسمي والرسم تذكار، يفنى العمر ويبقى الرسم أوتارا». وهكذا كانت الحيلة تنطلي على الكثيرين في مجتمعاتنا القديمة إلى الحد الذي كان معه هواة التعارف يحتفظون بتلك الصور في محافظهم، ويدورون بها على أصدقائهم، متباهين بأن لهم صديقات خارج الحدود يضاهي جمالهن جمال نجمات السينما. وأتذكر من هؤلاء صديقا من المحرق، كان يتحاشى الخروج معنا للتسلية والتسوق والمعاكسة البريئة في المنامة، فلما استقصينا أمره، علمنا أنه يقضي جل وقته في كتابة الرسائل إلى هواة التعارف من الإناث علّ واحدة ترد عليه، إلى أن أخبرنا ذات يوم أنه وجد ضالته في فتاة مصرية. هذا الصديق أفنى عمره وهو يقتصد من أجل السفر إلى الإسكندرية لملاقاة فتاته الوهمية التي تعرف عليها من خلال مجلات التعارف، والتي كان يصّدع رؤوسنا بذكر محاسنها ومفاتنها قائلا: «انظروا إلى صورتها.. أليست أجمل من مها صبري، وصباح، وشادية وكل فاتنات السينما المصرية»! وحينما أتيحت له فرصة السفر إلى مصر، عاد خائبا وظل يحبس نفسه في داره لأشهر طويلة خوفا من أن يسأله أحدنا عن نتائج رحلته ولقائه بفتاته التي اتضح له، أنها ذكر بشوارب كثيفة وعضلات مفتولة، ويعمل ميكانيكي سيارات. في تلك الأيام الخوالي كان من النادر أن تقع عيناك على صورة لشخص يذكر في بطاقته التعريفية المنشورة أنه من هواة قراءة الكتب أو جمع المقتنيات الأثرية، أو مشاهدة المسرحيات العالمية، أو الاستماع إلى شدو المطربين العالميين، أو تنسيق الحدائق مثلا. وكان هذا -بطبيعة الحال- يبرره قلة الوعي، وضعف الامكانيات المادية، واستفحال الأمية، وعدم وجود مصادر متعددة للمعرفة والاطلاع. غير ان شيئا واحدا كان يـُحسب للكثيرين من الهواة وقتذاك. هذا الشيء الذي يكاد يندثر اليوم، ويختفي من قائمة هوايات الشباب والناشئة، ويستهزئ به البعض، هو هواية جمع الطوابع التي أعتبرها كنز معرفي، بل أم الهوايات الثقافية. فمن خلالها بإمكان المرء أن يتعرف على الدول وتاريخها وقادتها ومناسباتها الوطنية وأهم معالمها ومحاصيلها وصناعاتها بطرقة سهلة ومسلية، بل ان الطوابع قد تأتي بعد حين، لمن يجمعها ويعرف أصول اقتنائها والعناية بها، بثروة غير متوقعه. شخصيا مارست والتزمت بهذه الهواية منذ سنوات صباي وماأزال حتى اليوم. وأستطيع أن أقول بكل ثقة أنها فتحت لي آفاقا معرفية كانت مسدودة في الماضي. وأتذكر أن هواية جمع الطوابع أنقذتني في مسابقة ثقافية متلفزة في الستينات وأنا في سن الـخامسة عشرة وفي مواجهة اثنين من المتنافسين الجامعيين من ذوي المناصب العليا. حيث كنت متخلفا عنهما كثيرا فإذا بسؤال الجائزة الكبرى ينقلني من المركز الثالث إلى المركز الأول. كان السؤال عن عاصمة بورما، فتذكرت لحظتئذ أني أحتفظ بطابع بريدي لهذه الدولة يحمل صورة لمدينة «رانغون»، ففاجأت مقدم البرنامج بالإجابة التي كانت صحيحة. ومن ضمن الهوايات الأخرى التي كان بعض هواة التعارف يدرجونها في بطاقاتهم التعريفية المنشورة، رياضة كرة القدم، والسباحة، وغيرهما من الرياضيات التي لم اجد تفسيرا لكيفية التداول بشأنها ما بين المتراسلين. فهي ليست كالطوابع أو العملات أو البوست كارد يمكن تبادلها. فكنت أتساءل هل يا ترى يعلمون بعضهم بعضا أحكام واشتراطات تلك الألعاب الرياضية؟ أو أنهم يكاتبون بعضهم بعضا حول تاريخها ونشأتها؟ أو أنهم يضعون ويقترحون لها مبادئ جديدة؟ لكن اتضح لي فيما بعد أن الأمر لا يعدو كونه نوعا من استعراض الشخص لعضلاته ومواهبه بهدف شحذ اهتمام الآخر به وإعلامه بأنه أفندي متعدد المواهب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها