النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

نزعات العدمية في الفكر والسياسة..

رابط مختصر
العدد 8778 الاثنين 22 ابريل 2013 الموافق 12 جمادى الآخر 1434

هنالك اليوم من يحاول جاهدا، وبلا هوادة،استبعاد المواطنة كأساس للتعايش والعيش المشترك، ويقترحون حلولا بديلة يحتمون بها، ولذلك يعمدون، في سبيل تكريس مصالحهم الضيقة، إلى تخويف الناس من أن يكونوا أفرادا أحرارا، يتمتعون بحرية فكرهم واختيارهم، إنهم لا يريدون «مواطنية» بل يريدونها طائفية محصنة ضد» دولة الوطن»، وحين تبدأ المجتمعات بالتعبير عن نفسها بهويات دينية أو طائفية أو عقدية، فهذا يعني انتهاء الدولة والدخول في النفق المظلم من الانقسامات والصراعات والمواجهات وصناعة الكراهية المنظمة، ومهما بالغنا في الحديث عن الحوار والتسامح، فإننا في ظل هذه البنى الصاعدة نعمّق أسباب التصنيف والتوصيف الفئوي، ولن نجد قاعدة للمساواة بين المواطنين على أساس هوياتهم الوطنية في مفارقة عجيبة بين رفع شعارات الدولة المدنية الديمقراطية وبين تكريس الطائفية فكرا وشعارا وممارسة وانعزالا وتحالفا. هؤلاء المشتغلون بهذه المفارقة العجيبة دون ان يشعروا بأنهم في مأزق فكري وأخلاقي وسياسي، موجودون اليوم في جميع الطوائف، يتمعشون على المخاوف التي يزرعونها في الطريق، مشكلتهم أنهم عندما يصوغون المبادئ والقيم، يحاكون أعلاها وأرقاها، وأكثرها علوا، وهم في أعماق أعماقهم يضمرون نقيض ما يعلنون، يراهنون على الغائب، يعدون له فراش الخطيئة، يعلنون أنهم الأعلون، أنهم الأكثر فهما ووعيا وحرصا على مصلحة البلاد والعباد، يقزّمون جميع من يختلف معهم، يقزّمون العقول التي تتحمل أعباء المرحلة الانتقالية بشجاعة، كأنّ قاموس المزايدة والشطط بقي حكرا على أقلية من أصحاب الطّريق في ماض غير بعيد، نفس الوجوه تسبح في حلقة مفرغة، تردد نفس العبارات والشعارات والصياغات والاتهامات.. ينقسمون ثم يلتقون، ثم ينقسمون، ولكنهم لا يتكاثرون: نفس الوجوه، نفس الأسماء، نفس الزعماء الأزليين المقدسين، نفس الكلمات والعناوين منذ أكثر من نصف قرن دون تغيير..ظاهرة كيمائية غريبة: كائنات تشب وتشيب، ولكنها لا تتكاثر لعقمها.. وأغلب الظنّ أنها تؤسس لدير جديد لا يمكن أن ننتظر فيه ذرية، دير العقم الأبدي، المتولد عن العقم الفكري والإفلاس السياسي.. مصابون بالصّمم،لا يقرؤون غير ما يكتبون، ولا يسمعون إلا أصواتهم، ولا يشاهدون إلا صورهم المنثورة على الأوراق، ولا يناقشون غير أفكارهم الهبائية الهوائية، لا يشعرون بوجود الأشياء من حولهم لحالة التضخم التي تتملكهم. لا ينظرون إلى الذين يراكمون العمل، من خلال مواقف ومقاربات تتناول الشأن الوطني من منطلق رؤية للاصلاح دون هزات، ودون بناء الخراب المقيم، بعيدا عن أشكال المغامرة التي لا تقود إلا إلى أنكر الهزائم وأبشع الفواجع، كما يعلمنا التاريخ، وكأن نرجسيّتهم تدفعهم نحو التضحية بكلّ ما هو مقدّس وطني وقومي لإرضاء الغرور الشخصي والمصالح الطائفية الضيقة. يؤثرون الحلول العدمية، انسجاما مع الحل العدمي للذين يتبرعون بتقديم الخدمات الجاهزة للبيع والتسويق، لتتكشف بذلك حقيقة مفزعة هي وليدة الإفلاس الفكري والسياسي، بأن نسق القيم الثقافي الذي نشأ ونما مع نشوء الشعور الوطني والقومي والإنساني التحرري يتعرض اليوم للانهيار في الحياة العامة، وفي الإعلام، في ثقافة التخوين والتخويف والتحقير المتبادل، وفي الثقافة العمى وعدم القدرة على رؤية الأشياء كما هي، من خلال انفصال المعرفة عن الأخلاق وعن قضايا الناس والمجتمع وعن العقلانية والوطنية والقومية والثوابت. ومثلما أفرغت الدولة العربية نفسها من مضمونها التحرري، حينما تحولت من التعبير عن تطلعات التحرر والتقدم والحداثة، إلى جهاز أيديولوجي بيروقراطي يكرس التبعية والاستهلاك، فإن هذه الكائنات الهوائية الهبائية الغارقة في الفقاعة الطائفية قد حولت الفكر إلى شعار عدمي، واستمرأت العيش في فقاعة الشعار، مستعيضة به عن الانخراط في التاريخ، وتحولت بعض شرائحها العدمية إلى تنفيذ عملية انتحار جماعي، بممارسة التطرف والعدمية وزرع التدمير الذاتي.. جملة مفيدة: تساءل المفكر البحريني، محمد جابر الأنصاري مستغربا، في حوار منشور في صحيفة الحياة اللندنية: « المخيف، أننا عرب ومسلمون، ينتابنا شعور قاتل بأننا مختلفون عن بقية خلق الله.لماذا؟ لا أدري! ويقوي هذا الشعور الهدام لدينا عدد كبير من الوعاظ والكتبة وأمثالهم ممن تأسست ثقافتهم في الظلام وراء الأبواب المغلقة، فتوهموا أنهم وحدهم في هذا العالم الفسيح! والحقيقة انه لا يمكن مواجهة ذلك إلا بتعميق ثقافة المقارنة، والدراسات التي تسير في الأرض شرقها وغربها وتكتشف سنن الله في خلقه… وهي سنن إلهية كونية لن نجد لها تبديلاً ولا تحويلاً، من اليابان إلى اليمن، ومن الصين إلى المغرب، ومن الهند إلى مصر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها