النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

أمة الفخر بما صنعه الأجداد

رابط مختصر
العدد 8775 الجمعة 19 ابريل 2013 الموافق 9 جمادى الآخر 1434

ظللت لسنوات أتوهم أننا نحن العرب، كما هو شائع عنا، أمة «ماضوية» تعيش في الماضي، وليس في الحاضر أو المستقبل، لا يجد الجيل المعاصر من أبنائها، ما يفخر به سوى ما صنعه أجداده، وسواء تعلق الأمر بالانتصار في الحرب، أو بإنجازات العلم والفن والعمارة أو غيرها من ثمار الحضارة، فإنه لم يضف شيئاً إلى ما أنجزه هؤلاء الأجداد، ولم يسع إلى تطويره وتحديثه، واكتفى بأن يعيش في ظل يوتوبيا رجعية تجتر حلم إعادة إحياء الماضي.. لكني أفقت من هذا الوهم، لأكتشف أننا نحن العرب المعاصرون، نكتفي بمجرد الفخر بهذا الماضي، من دون أن نحترمه أو نصونه من التبدد.. وأننا أقرب إلى الورثة المتلافين، الذين ورثوا حضارة لم يعد لديهم ما يضيفونه إليها، بل لم يعودوا حتى قادرين على الحفاظ على ما تبقى منها! ما يدعوني لتكرار هذا الكلام الذي قلته كثيراً من قبل.. واقعتان يفصل بينهما عشرون عاماً. ففي عام 1993، كان المخرج التليفزيوني الشاب، باعتبار ما كان «كمال الدين مسعود» يقدم برنامجاً مميزاً على شاشة التليفزيون المصري بعنوان «وقائع مصرية» يقدم من خلاله تسجيلاً وتحليلاً لأعمال عدد من الشخصيات الفنية العربية المؤثرة في مجال تطوير الأغنية، كان من بينها «محمد عبدالوهاب» و«أم كلثوم» و«عبدالحليم حافظ»، و»فريد الأطرش» و»علي إسماعيل» وأثناء بحثية عن المادة الأرشيفية لبرنامجه، اكتشف أن بمكتبة التليفزيون عشرات الآلاف من أصول الأشرطة، التي تحتوي على مواد سجلها وأذاعها التليفزيون المصري منذ تأسيسه عام 1960، لا تقتصر على الأغاني والحفلات والحوارات التي تخص الشخصيات التي كان يعد عنها حلقات برنامجه.. بل تشمل كذلك مواد مصورة لآلاف غيرهم من الفنانين والأدباء والمثقفين فضلاً عن تسجيلات مصورة عن أحداث سياسية واجتماعية وفكرية بالغة الأهمية والندرة، من بينها خطب وأحاديث وحوارات الرئيسين الراحلين جمال عبدالناصر وأنور السادات ووقائع سنوات الوحدة المصرية السورية، وغيرها من الأحداث العربية والدولية البارزة خلال الستينات والسبعينات وما بعدها، لكنها جميعاً كانت قد سجلت على نوع من الأشرطة تجاوزها التقدم التكنولوجي، فلم تعد صالحة للعرض إلاّ بعد نقلها على أشرطة حديثة من نوع يتلاءم مع التقدم الذي شهدته فنون العرض التليفزيوني. وفضلاً عن أن بعضها الآخر كان قد تلف تماماً، فقد أعيد تصوير مواد تافهة، وفي أحسن الأحوال عادية على شرائط بالغة الندرة، كان من أبرزها آنذاك تصوير اسكتش هزلي على الشريط الذي سجل عليه أحد الحوارات التليفزيونية النادرة، التي أجريت مع الكاتب الكبير عباس «محمود العقاد» قبل رحيله عن الدنيا. وشمر «كمال الدين مسعود» عن ساعديه، وقام بنقل المواد التي كانت تحتاجها حلقات برنامجه على شرائط حديثة، وعلى الهامش كتب مذكرة إضافية إلى وزير الإعلام أيامها «صفوت الشريف»، يسترعي انتباهه فيها إلى أهمية إعادة نقل أرشيف مكتبة التليفزيون بالوسائل التي تكفل إعادة عرضه وتصونه من التلف، وتحافظ على الذاكرة البصرية للوطن، ووافق عليها الوزير، ولكن المشروع توقف بعد قليل من البدء فيه، ثم توقف البرنامج الذي كان يقدمه «كمال مسعود»، بعد أن اكتشف أن الادعاء بأننا نحن العرب قوم ماضويون، هو نصف الحقيقة، أما نصفها الآخر فهو أننا أيضاً ورثة متلافون، لا نكف عن الفخر بما ورثناه عن أجدادنا، ومع ذلك لا نتوقف عن إتلافه. أما الذي ذكرني بهذه الواقعة، فهو واقعة ثانية كشفت عنها الأسبوع الماضي السيدة «سهير الإتربي» -الرئيس السابق للتليفزيون المصري- في حديث صحفي، ذكرت فيه أنها في عام 1999، وفي أعقاب زيارة قامت بها بمكتبة شبكة الـB.B.C في لندن، بهرت خلالها بالطريقة العلمية الحديثة التي تنظم بها أرشيفها، عرضت الأمر على وزير الإعلام، وكان لايزال «صفوت الشريف»، وقدمت له مشروعاً لتحديث أرشيف التليفزيون المصري ونقل مواده على أشرطة حديثة، واغرت المسؤولين بأن المشروع لا يحافظ فقط على الذاكرة الوطنية، ولكنه مشروع استثماري يمكن أن يدر على التليفزيون موارد مالية من حقوق إعادة عرض هذه المواد في التليفزيونات الأخرى وكرر الوزير موافقته وبدأت «سهير الاتربي» العمل في المشروع، وقطعت شوطاً طويلاً فيه.. إلى أن توقف العمل به، بعد أن ترك الوزير منصبه، وجاء وزير آخر ليضع المشروع و»سهير الاتربي» نفسها على الرّف. وتغيرت الظروف وقامت الثورة، فاستأنفت «سهير الاتربي» جهودها لاستكمال المشروع، الذي كان يتطلب إنشاء مكتبة أخرى لاستيعاب ما تبقى من المواد، وقرر وزير الإعلام الجديد «أحمد أنيس» إسناد المهمة إلى جهاز الخدمة المدنية التابع للقوات المسلحة بالأمر المباشر، وبعد أن أنجزت القوات المسلحة ما يزيد على نصف المهمة، اعترضت وزارة المالية وطالبت بوقف العمل، لأن أمر التكليف الذي صدر لجهاز الخدمة المدنية بالقوات المسلحة مخالف للوائح المالية، التي تقضي بعدم إسناد أي عمل إنشائي حكومي إلاّ بعد الإعلان عنه للكافة، وإجراء مناقصة بين الراغبين في القيام به واختيار من يتقدم بأقل سعر وهو ما يعني أن العمل في المكتبة سيظل متوقفاً إلى أن تتم إعادة الإجراءات من البداية! وهكذا وعلى طريقة «ألف ليلة وليلة» يتأكد للمرة الأولى بعد الألف أننا نحن العرب أمة ماضوية، لا نملك إلاّ الفخر بما صنعه الأجداد، ولا نستطيع أن نعبر عن هذا الفخر إلاّ باتلاف ما ورثناه عنهم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها