النسخة الورقية
العدد 11181 الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 الموافق 22 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:36AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

اليسار البحريني: إلى أين؟!

رابط مختصر
العدد 8773 الأربعاء 17 ابريل 2013 الموافق 7 جمادى الآخر 1434

إن خبر الارتحال الأخير الذي ختم به المناضل الوطني محمد جابر الصباح رحلته في الحياة وفعله فيها قد أحزن جماهير اليسار والتقدميين وكل المتعاطفين معهم، لأن هذا الرجل كان يعني الشيء الكثير بالنسبة إليهم نظرا لتاريخه الثر وإسهاماته في الحياة السياسية. فهو مع رفاقه قد تعهدوا على امتداد ساعات هذه الحياة وأيامها وشهورها وسنينها بالعمل ما وسعت قدرتهم على المطالبة بتجويد الحياة السياسية وتحسين مستوى عيش المواطنين حتى يتلاءم مع ما يطمحون إليه. باختصار، لقد وضع المرحوم محمد بصمته في سجل العطاء الإنساني من أجل وطنه وشعبه. وإني لأجد هنا بأن الفرصة سانحة للمقارنة بين أهداف وشعارات الزمن الذي يتنزل فيه البنيان الفكري والسياسي الذي آمن به الراحل ومجموعة رفاقه، وبين أهداف وشعارات هذه الزمن الرديء الذي يتبوأ فيه المشهد ثلة من الراديكاليين ممن جعلوا السلطة مغنمهم وفرشوا الأرضية الاجتماعية، على طريق هذا المغنم، عداءً طائفيا سيطول العمل على اجتثاثه ودرء مخاطره على البنيان الاجتماعي والثقافي والحضاري والمنوال التنموي الناجح الذي اختارته مملكة البحرين منذ زمن بعيد. نعم إن هذا الارتحال يذكرنا بمن سبقوا المرحوم محمد وغادروا دنيانا، وإن هذه الذكرى لتحتم علينا استحضار المشهد الوطني والتمعن في عميق تاريخه وفهم ما علق بمشهده الراهن الكريه الجاثم على قلوب البحرينيين باعثا فيهم الحزن والألم منذ الرابع عشر من فبراير 2011، للوقوف على صحة المسار وتحديد الخيار.. ثم أن من حقنا أن نسأل: «لماذا تجثم هذه الصورة القاتمة التي تتقاطر حزنا وألما على مشهدنا الوطني؟ حقا إنه السؤال الذي يفضح «مناضلي» آخر الزمان وأول وطرها المنحط الذي تنبعث تنظيراته من المآتم مختلطة بمواقف مذهبية مسبقة، هؤلاء هم مناضلو آخر الزمان الذين أدخلوا مكوني المجتمع المتحابين في عراك طائفي مذهبي كنا قد اعتقدنا بأنه قد تداعى وولى وأفل بالتقادم. حقا إنه لو تسنى لك استحضار التاريخ في مساراته تلك فإنك ستكتشف، لا محالة، أن معايير الوطنية النضالية، في زمننا هذا، قد انكشفت وفق فقه «الدوار» وفلسفة الطائفية والمعطى المذهبي الرجيم، واختلطت مع الديني في واسع معناه، ومع المذهبي في ضيقه، حتى غدا التعاون، أو قل التعامل، الذي يحرص على تنفيذ أجندته الخبيثة «رمزا» للوطنية وعنوانا للنضال. لا أزعم معرفة شخصية لصيقة راسخة بالمرحوم محمد، وسأعد ذلك شرفا لي لو حصل، إن معرفتي السطحية بشخصه الكريم يدعمها حضوري مجلسه العامر بالنقاشات السياسية والفلسفية والأدبية مرتين وليس أكثر، لكن تفاصيل ما كان يدور في أغلب لقاءات رواد ذاك المجلس كان ينقلها لي صديق مشاغب ممن التزموا الحضور الأسبوعي في ذلك المجلس الجميل، وإن كان ذلك الصديق كثير الجدال والاعتراض على كثير مما كان يطرحه المرحوم محمد جابر. إلا أن متراكم معرفتي السمعية والقرائية بشخصه كمناضل من أجل الحرية والتقدم والعيش الكريم لا يقل عن أولئك المناضلين الذين سبقوه في تنفيذ استدعاء السماء لهم بعد أن أفنوا أعمارهم لذات الأهداف الوطنية الكبرى مثل: أحمد الذوادي وعبدالرحمن النعيمي ومحمد السيد وغيرهم ممن تحفظ لهم الذاكرة الوطنية حضورا في ساحة النضال الوطني، كما لا يقل عمن هم اليوم بيننا أحياء مثل أحمد الشملان ويعقوب جناحي وغيرهما كثير ممن عشقوا الوطن لأجل ما يحتضنه من مكونات اجتماعية متعددة تجلب الفخر، فالوطن أبعد من أن يكون مرتهنا بفلسفة مذهبية يروج لها آية الله عيسى قاسم الذي ذهب ضحية تحريضاته شباب وأطفال كانت البحرين أولى بهم للحد من دفق الكراهية، هذا الداء الذي تسبب فيه هو أكثر من غيره ممن انبروا لتفتيت وحدة الشعب بتأليب مكون على المكونات الأخرى. أنا أرى أن رحيل محمد جابر ليس مدعاة للتمعن بعمق في المشهد الوطني فحسب وإنما هو أيضا سانحة زمنية لتأمل مواضيع النضال وعناوينه الكبرى على مدى أكثر من خمسين عاما، أي طوال تلك الأعوام التي خلت فيها أسماء كل تنظيمات التيار الإسلامي، بشقيه السني والشيعي قبل أن تعود الآن لتتبوأ المشهد. إن مواضيع النضال الوطني وعناوينه التي يحتفظ بها أرشيف الزمن الجميل في الذاكرة الوطنية هي الحرية والديمقراطية والتقدم ووضع معيشي مريح وكريم لجميع المواطنين. وهي، كما ترى عزيزي القارئ، عناوين مهما اختار المواطن زاوية النظر إليها فإنها تبقى عناوين انصرف ورثة ذاك الرعيل عنها لنجدهم وقد ارتموا في الحضن الطائفي. فكرتي الرئيسية التي وددت أن أوصلها من هذا الموضوع هي أن الأهداف التي أفنى محمد جابر ورفاقه حياتهم من أجلها هي ذات الأهداف التي أسس لها مشروعنا الوطني الإصلاحي الذي يقوده باقتدار صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى، ولهذا نجد أن كثيرين ممن كانوا مؤمنين بتلك الأهداف قد انخرطوا في عملية بناء الدولة من خلال مؤسساتها الدستورية، لا لعجز منهم وإنما لتقارب أهدافهم حد التطابق مع ما تحققه الحكومة على أرض الواقع في كل مستوى، لأن النضال لم ينطلق أصلا من حقد مذهبي وإنما من مصلحة المواطنين. فإذا ما تطابقت الأهداف فلماذا التشتيت؟ أعرف أنه سؤال غارق في براءته وسيثير لغطا وحتى استهجانا عند الراديكاليين من مناضلي آخر الزمان. ولكن قبل أن نستعجل بإطلاق الأوصاف على السؤال والسائل علينا تأمل الذي يحدث، أليس من المفارقات العجيبة أن تكون هذه الثلة الغارقة في طائفيتها حتى أذنيها هي التي تقود من ناضل الراحل في صفوفهم خلفها، وصارت تملي عليهم المواقف التي لا تستقيم أبدا مع إرث من أسهموا في بناء أجسامها الحزبية وهياكلها التنظيمية. وأختم بتساؤل استعرته من أحد المقالات التي ينشرها الكاتب الجميل يوسف الحمدان في جريدة «الأيام» الغراء، وهو: «ماذا لو لم يكن الصفويون على خارطة الكون؟ هل سيكون الوطن عرضة لآفات الحقد والكراهية والمآرب الخبيثة المقيتة؟ إنهم يكرهون الحب تباً لهم!!» تساؤلي أنا من ذات الجنس ومفاده: «ماذا لو أن الذين غادرونا مازالوا بيننا؟ هل سيكون الوطن عرضة لآفات الحقد والكراهية والمآرب الخبيثة؟ إنهم أحبوا الحب رحمة الله عليهم جميعا، وأمد الله في أعمار من بقي منهم معنا في الحياة ليعطوا دروسا في الوطنية لمناضلي آخر الزمان.»

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها