النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

التواطؤ مع القوى الطائفية الجديدة لإعادة هندسة الس

رابط مختصر
العدد 8771 الإثنين 15 ابريل 2013 الموافق 5 جمادى الآخر 1434

طالعت باهتمام ما كتبته الكاتبة الأستاذة سوسن الشاعر في الوطن، قبل عدة أيام في محاولة للإجابة عن سؤال «من ضلل كولن باول؟»، حول ممارسات السفارة الأمريكية والسفير الأمريكي تحديدا، باعتبارها معادية للبحرين واستقرارها، بما في ذلك ما اشارت اليه الكاتبة من مخالفة هذه الممارسات لأبسط قواعد النزاهة التي من مظاهرها «نقل الوقائع كما هي، لا مسرحتها بما يدفع نحو موقف محدد». وبالرغم من أنني لا اعتقد انه قد تم تضليل السيد كولن باول ـ مثلما ألمحت الكاتبة الفاضلة ـ في مقالها، بل الاعتقاد الأرجح في تقديري، أن الرجل كان ضالعا في المسرحية إياها، وكان يؤدي فصلا من فصولها، مؤداه الاستهانة بعقولنا والاستخفاف بنا وبأمننا القومي، بالرغم من ذلك، فإنني سأفترض جدلا أن هنالك عملية تضليل مقصودة ومتعمدة تتولاها السفارة الامريكية لإيصال رسالة إلى الرئيس أوباما أو إلى وزير الخارجية الجديد، حول الأوضاع الأمنية والسياسية وحول الحريات في البحرين، فإن المنطق الداخلي للسياسة الأمريكية يؤكد على حتمية تكامل الأدوار «السياسية والدبلوماسية والاستخبارية والأمنية، والاقتصادية...» في مفاعيل هذه السياسة، بما يعني بالضرورة أنه قد جيء بهذا السفير «أو غيره» في اللحظة الامريكية المناسبة لأداء الدور المناسب لسياسة بلاده، حيث يؤدي الدور المحدد له على وجه الدقة، ولا يمكنني ان أتصور للحظة أنه يخرج عن النص المعد سلفا، وهو دور شبيه على الأرجح بذاك الذي أداه في العراق وفي اليمن، ويراد له أن يستكمل حلقاته في البحرين في سياق منظومة «الفوضى الخلاقة» التي تعد بمثابة البنية الفكرية المرجعية الناظمة للسياسات الأمريكية تجاه عالمنا في هذه اللحظة التاريخية الحرجة والمتوقعة منذ أكثر من عقدين، تم الإعداد لها منذ تحدثت السيد كوندوليزا رايس والسيد بيريز عن الشرق الأوسط الجديد. إن الحقيقة في تقديري الشخص متأتية من أن الإدارة الأمريكية الجديدة، كما التي قبلها، لاتزال لا تعترف بأنها أخطأت في تقديراتها وفي معرفتها بالعالم وتحولاته، فلم تعترف بان العالم من حولها قد تغير، وان منطق القوة وازدواجية المكاييل وانعدام القيم في القرار السياسي، لم يعد مقبولا من احد، وان اللعبة قد انكشفت حتى للحلفاء.. وبالرغم من محاولات تمويه الصورة، من خلال الحديث عن «قوى الشرّ الخفيّة التي تحارب نمط الحياة الأمريكي»، ومساهمة الإعلام الأمريكي وبعض دوائر الفكر والرأي في تثبيت وهم «الصدام الحضاري» والخطر الناتج عن الإسلام العاجز عن التكيّف مع الواقع الجديد في العالم، فإن الصورة قد انكشفت على حقيقتها، كمظهر دراماتيكي لأزمات تعاني منها السياسة الأمريكية في سياق العلاقات الدولية. فالمشكلة الاساسية ان نهاية الحرب الباردة لم تؤدّ إلى تشكّل نظام دولي بديل، بل بدا من الواضح أن خارطة العلاقات الدولية تتأرجح بين اتجاهات متباينة عصية على الحسم: قوّة أحادية «الولايات المتحدة» فاقدة لآليات الهيمنة الفعلية على باقي مناطق، بقدر ما هي عاجزة عن تحمّل مسؤولياتها إزاء أزمات عالم لا منافس لها فيه، وعلى رأس هذه الأزمات الحروب الأهلية والإقليمية التي تزايدت وتيرتها وتفاقمت فظاعتها أكثر من حقبة الحرب الباردة، كما ان الإرهاب الذي ترسم صورته الإدارة الأمريكية «الذي ينحصر في المجال الجغرافي العربي - الإسلامي» ليس مظهر تحدّ حضاري، إنما هو تعبير حادّ وجذري عن أزمة تواصل وتفاهم وعدم قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على فهم العالم من حولها، وعلى التعامل معه على نحو موضوعي.. فخلافا لما يفترضه بعض المعجبين بالسياسة الأميركية، فإن أسامة بن لادن وصدام حسين لم يُرفعا إلى مرتبة العدو رقم واحد بفضل نظرية سياسية جدلية أو بفضل حكمة تحليلية معمقة، بل تمت إعادة انتاجهما إعلاميا وسياسيا كمجرد صورتين تمثلان وجوه التحدي الضرورية الذي يطلقه المرشح الأقوى إلى الزعامة، كما في حروب عصابات الشوارع، وحتى «الدولة المارقة» المفترض أنها تمتلك أسلحة الدمار الشامل «بحسب رواية كولن باول التي أوردتها» قد ظهرت في الحقيقة النهائية كمجرد دولة عاجزة عن أي تهديد جدي، بل ومنهكة وبدون أي قوة وقد تفككت بفعل الحصار الطويل. إن انتصار الولايات المتحدة الأمريكية العسكري السهل في بلدين منهكين كالعراق وكأفغانستان قد تحول إلى استعراض للقوة العظمى عن طريق القصف الدموي للأحياء الشعبية والشوارع التجارية والأسواق، وبعدها قام المحتل بإعادة ترتيب الفوضى الدائمة وإعادة إنتاج العنف من جديد في لعبة تبدو اقرب إلى العبثية، وتبقى في ذاكرة المشاهدين في العالم صورة الوجوه اللا مبالية للعسكر «أشبه بالرجال الآليين» في أسوأ لحظات النهب في بغداد «التي لم تكن اقل بربرية من أحداث 11 سبتمبر»، كأسوأ استعارة للتعبير عن الفشل الفظيع والعارم في التعامل مع القضايا الشرق أوسطية، بسبب سوء التدبير والاستعلاء والانحياز الأعمى إلى العدوانية الإسرائيلية، وعدم فهم ما يدور في عقول الناس في ما يسمى بالشرق الأوسط الذي يقطنه «الآخر» المغلوب والمذلول والعاجز عن الخروج من نكبته، حتى كأنما المطلوب نقل الكراهية إلى ما لا نهاية وإعادة انتاجها باستمرار. مختصر الكلام.. أمريكا اليوم لا تقود العالم، وإنما تهيمن عليه فقط، فقيادة العالم تستدعي ان يكون القائد حازما وعادلا، وقادرا على حل المشكلات الدولية بناء على مرجعيات واحدة دون حيف أو معايير مزدوجة، أما بناء السياسة على مجرد تحقيق المصالح المباشرة والهيمينة، فلا يخلق رؤية ولا يبني ثقافة مثل ثقافة الأنوار الأوروبية أو ثقافة الأممية الإسلامية أو تنويعات الثقافة الكونفوشوسية. كما ان التاريخ لم ينته كما يزعم السيد فوكوهاما، انه رغم كل الظواهر يتحرك في أماكن أخرى؛ في الهند، في الصين، في أوروبا الجديدة بالتأكيد، وفي أماكن أخرى بالتأكيد.. والإفراط الأمريكي في استخدام القوة العسكرية قد أدى إلى لا شيء تقريبا، فها هي طالبان تعود إلى الواجهة وها هي واشنطن تحاورها في الدوحة، والقاعدة تزداد قوة في كل مكان وتتحدى لتتحول الى كابوس دولي، وها هي إيران الملالي خارج السيطرة تمرح بالطول والعرض رغم العقوبات ومحاولات الاحتواء والتزلف، وها هي كوريا الشمالية الجوعانة حتى العظم تهدد بقصف الأراضي الأمريكية!!! أخيرا... الخطير مع إدارة الرئيس أوباما، بالإضافة إلى ما تقدم، هو هذا التواطؤ اللاعقلاني والمفضوح مع القوى الطائفية الجديدة لإعادة هندسة العالم العربي، والرجوع به إلى الوراء وتبديد القدر المحدود جدا من الانجازات الحداثية التي تحققت على الأرض بصعوبة شديدة وبعناء كبير، وذلك بغرض سيطرة التخلف السياسي في إدارة الدولة العربية، بدلا من التشجيع على التقدم نحو المزيد من الحداثة والتقدم والعقلانية والديمقراطية الحقيقية!!..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها