النسخة الورقية
العدد 11149 الجمعة 18 أكتوبر 2019 الموافق 18 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:07PM
  • العشاء
    6:37PM

كتاب الايام

ما يبنى على باطل فهو باطل

رابط مختصر
العدد 8770 الاحد 14 ابريل 2013 الموافق 4 جمادى الآخر 1434

«ما يبنى على باطل فهو باطل». سيطرت هذه العبارة على ذهني عندما تناقلت وكالات الأنباء خبر تكليف تمام سلام بتشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، دون أن يعني ذلك مسا شخصيا بمعالي رئيس الوزراء اللبناني، فالأمر ليس شخصيا، بقدر ما هو تشخيص للواقع اللبناني. لقد أثار ذلك التكليف الكثير من التعليقات المشوبة بشيء من التساؤلات، المبطنة بلمسات من التشاؤم بإمكانية «سلام» في الإبحار بباخرة الأوضاع اللبنانية نحو بر الأمان. فتاريخ الرئيس المعين الجديد السياسي، وكفاءاته المتواضعة، جميعها تشكك في قدرته على إخراج لبنان من أزمته التي قد يتوهم البعض أن جذورها تقف عند حدود منتصف السبعينات من القرن الماضي، عندما اندلعت ما أصبح يعرف باسم «الحرب الأهلية اللبنانية»، التي ما تزال مستعرة، وتداعياتها السلبية مزدهرة منذ ما يزيد على الربع قرن، في حين، وكما يؤكد مسار المجتمع اللبناني السياسي، أن الأمور تعود، في أسبابها الجوهرية، إلى منتصف الثلاثينات من ذلك القرن، عندما منحت الحكومة الفرنسية لبنان صك الاستقلال، ووضعت عرفا فئويا «حصحصت» فيه توزيع المناصب الحكومية على أساس طائفي، لا وطني كما كان يفترض. دست باريس حينها سوسة هدم المجتمع اللبناني في صلب مكوناته الاجتماعية وفئاته السياسية، ونجحت منذ ذلك التاريخ في الحيلولة دون بناء مجتمع لبناني مدني متحضر، بالمعنى الاجتماعي/ السياسي لكلمة متحضر. كان المشروع الفرنسي واضحا حينها، فهو في نهاية الأمر يخدم توجه السياسة الفرنسية حيال المنطقة الهادف إلى إحكام قبضته على دولها، حتى بعد رحيله كقوة استعمارية، وليس هناك من سلاح داخلي يمكن اشهاره في وجه أي مشروع وطني أفضل من مشروع طائفي مواز. ومن حينها، ورغم الازدهار الظاهري الذي طفا على سطح الدولة اللبنانية، لكن جاء انفجار الحرب الأهلية في العام 1975، الذي بدى مفاجئا للبعض منا، كي يعيد الأمور إلى المعادلة السياسية الاجتماعية الفرنسية، كي يزيل وبجرأة لا متناهية قشرة ذلك الرداء الخفيف الزائف، ويكشف، وبكل قسوة، ودونما أية رحمة، عن الوجه الحقيقي البشع لذلك المجتمع الذي نخرته تلك السوسة. فعاش لبنان ومنذ أبريل 1975، أو بالأحرى منذ فبراير من العام ذاته عندما اخترقت رصاصة أطلقها ضابط في الجيش اللبناني مثانة الناب اللبناني الجنوبي معروف سعد فأردته قتيلا، وحتى اليوم، حربا أهلية ضروسا أتت على الأخضر واليابس، وحولت لبنان من بلد يبحث سكانه عن التماسك الذي يمكن أن يحولهم إلى مجتمع مستقر قابل للازدهار والتطور، إلى أرخبيل من الطوائف المتفرقة التي تبيح لشيوخها من رؤساء الطوائف المنتشرة فوق أراضيها أن تستمتع بالاقتتال والتناحر، وتحرص على تقاسم المغانم الصغيرة لصالح الطائفة أو الفئة التي ينتمي كل منهم لها، بعد ان غابت عن أعينهم جميعا، صورة الوطن الجميلة. وإن كان هناك من عبرة يمكن أن يستقيها المتابع العربي من تلك التجربة اللبنانية، فهي أن الطائفية لا يمكنها أن تحضن في أحشائها رؤية وطنية متكاملة، ومن ثم فليس في وسعها أن ترعى جنين رؤية مشابهة، وعلى هذا الأساس لا يمكن لنظرتها إلا أن تكون حولاء، ولجنينها إلا أن يولد مشوها. لكن إذا كان هناك من درس أكثر أهمية من تلك العبرة، يمكن أن يستفيد منه ذلك المتابع، فهو أن مرض الطائفية لم يكن محصورا في جسد الدولة اللبنانية، إذ يبدو أن السوسة البغيضة قد انتشرت في أعضاء البلدان العربية جمعاء، فرأينا الطائفية تغرس أنيابها المسمومة في أجساد معظم البلدان العربية إن لم يكن جميعها. وتتغلغل في أعماق إداراتها، فتتحول الدولة من جسم متماسك راسخ الأركان، إلى مكونات إدارية متناثرة تمزقها النزعات الطائفية، وتشظيها المصالح الفئوية. لكن، ومن باب الإنصاف أيضا، فإن الطائفية لم تنعم بالبيئة التي تبحث عنها في دوائر الحكومات العربية فحسب، بل انتقلت أيضا، وعلى نحو مواز، إلى صفوف الجهات المعارضة لها أيضا، وهو ما كشفت عنه أحداث ما أصبح يعرف باسم «الربيع العربي»، فوجدنا المعارضات العربية، إن جاز لنا التسمية، تسقي بذور الطائفية بمياه سلوكياتها الآسنة، وتظلل نبتتها بشعاراتها الفئوية الضيقة الأفق المبطنة، لا يردعها في ذلك واعز وطني، ولا يحول بينها وبين مصالحها الآنية النزقة مسؤوليتها تجاه الجماهير التي وضعت ثقتها المطلقة فيها. في ضوء كل ذلك، وإن أرادت المعارضة العربية أن تشكل البديل التاريخي لما هو قائم، أو شاءت أن تساهم، وعبر طرق النضال السلمي المشروع أن تقود تلك الجماهير نحو ذلك المجتمع المدني المتحضر الذي تتوق له تلك الجماهير، فليس هناك من خيار أمامها سوى، نبذ الطائفية، ومحاربة كل أشكالها. هذا النبذ، إذا أريد له أن يؤتي ثماره الطيبة، لا بد له أن يتمظهر ليس في الشعارات فحسب، ولا في البرنامج فقط، وإنما أيضا في السلوكيات، وعند التطبيق. وفي غياب ذلك، فأركان البناء باطلة، وكما يقال ما يبنى على باطل لا يمكن إلا أن تكون مخرجاته باطلة ولبنان ليس استثناء عربيا كما قد يتوهم البعض، أو يغالط نفسه البعض الآخر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها