النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

التاريخ يكرر نفسه أحياناً

رابط مختصر
العدد 8768 الجمعة 12 ابريل 2013 الموافق 2 جمادى الآخر 1434

مع أن القاعدة العامة كما قال الفيلسوف اليوناني القديم «شيشرون» هي أن المياه نفسها لا تجري في نفس النهر مرتين وأن التاريخ لا يكرر نفسه، إلا أن الصدام بين النظام الحاكم وبين الصحافة يبدو استثناء من تلك القاعدة خاصة في التاريخ المصري الحديث والمعاصر. من بين الشواهد على ذلك أن «حزب الوفد المصري» الذي قاد ثورة 1919 وتبنى الشعارات الديمقراطية والليبرالية ظل على امتداد ثلاثين عاما يدافع عن مبدأ الأمة مصدر السلطات ويتمسك بالحكم الدستوري فإذا تولى الحكم أطلق الحريات جميعها بلا حدود بما في ذلك حرية الصحف المعارضة له، مهما اشتطت في الهجوم عليه واتهمته بالفساد والمحسوبية والرشوة فإذا حدث انقلاب على الدستور وتولى خصومه من أحزاب الأقليات السياسيين، الحكم لم يحفظوا له الجميل، فطاردوا الصحف التي تنطق باسمه أو تتعاطف معه يصادرونها ويحبسون الصحفيين الذين يعملون فيها. ومع أن الصحافة المصرية لم تعرف مساحة من الحرية مثل التي عرفتها في ظل آخر حكومات الوفد بين عامي 1950 و1951 إلا أن التاريخ أبى إلا أن يكرر نفسه، فحاولت هذه الحكومة في لحظة طيش أن تستصدر قوانين تعطي لوزير الداخلية حق تعطيل الصحف لفترات متكررة وتعطي لمجلس الوزراء حق إغلاقها نهائيا إذا ما نشرت بكيفية مطردة حملات تستهدف تقويض أسس النظام الاجتماعي فقامت الدنيا ولم تقعد: اشتعلت المظاهرات تندد بمشروعات قوانين وأد حرية الصحافة التي تبنتها الحكومة واحتجت النقابات المهنية واعترض نواب الوفد في مجلسي البرلمان عليها واحتجبت الصحف المصرية جميعها عن الصدور يوم 3 أغسطس عام 1951 احتجاجا عليها، ولم تهدأ العاصفة إلا بعد أن سحبت مشروعات القوانين التي أثارتها وخرجت الصحافة ظافرة بحريتها. وبعد أقل من عام على ذلك قامت ثورة 23 يوليو 1952 ورحبت بها كل الصحف المصرية وقال الثوار الجدد إن من بين أسباب قيامهم بثورتهم هو إطلاق حرية الصحافة التي حاول النظام السابق وأدها وتمتعت الصحف بحرية غير مسبوقة في نشر فضائح النظام البائد والتنديد بما كان يرتكبه من جرائم وطنية وموبقات أخلاقية، ثم بدأت المشاكل تطل برأسها: طالب الصحفيون في اجتماع حاشد بنقابتهم بتخفيف قيود الرقابة على الصحف التي بدأت تشطب الأخبار التي يعترض على نشرها مجلس قيادة الثورة والمقالات التي تنطوي على نقد لقرارات المجلس أو سياساته أو تطالب بإعادة الحريات الديمقراطية أثناء فترة الانتقال.. وهدد عضو المجلس ووزير الإعلام «صلاح سالم» صاحبة الجلالة الصحافة بأن التطهير سوف يطولها كما طال غيرها من مؤسسات النظام البائد. وعندما انفجرت أزمة مارس 1954 بسبب الصراع على السلطة بين ضباط القيادة رفعت الحكومة الرقابة على الصحف لعدة أسابيع، انحازت خلالها بعض الصحف للقوى التي كانت تطالب بعودة الجيش لثكناته وإعادة الحكم الديمقراطي المدني، فلما انتهت الأزمة بعودة مجلس القيادة لممارسة سلطاته حوسبت هذه الصحف على مواقفها فأغلقت «المصري» و»الجمهور المصري» بحكم من محكمة الثورة وحوكم أصحابهما وألغيت تراخيص إصدار 23 صحيفة أسبوعية بدعوى عدم انتظامها في الصدور، كان معظمها من الصحف التي تحملت عبء معارضة النظام السابق، ونشر مجلس قيادة الثورة قائمة بأسماء عدد من كبار الصحفيين اتهمهم بتقاضي مصروفات سرية من العهد البائد كانوا بالمصادفة ممن مهدوا الطريق للثورة بمعارضتهم الجريئة لذلك العهد. وكان ذلك ما حدث أيضا عندما قامت ثورة التصحيح التي قادها الرئيس السادات في 15 مايو 1971 وأعلن أنه قام بها لكي يقضي على الحكم البوليسي ويعيد للمصريين الحريات ويحرر الصحافة من القيود التي كبلها بها «العهد البائد» ومنها اشتراط حصول الصحفي على موافقة الحزب الحاكم لكي يشتغل بالصحافة، وبعد أقل من عامين وفي فبراير 1973 قررت لجنة النظام بالحزب الحاكم فصل 120 من كبار وشباب الصحفيين من الحزب ليفقدوا حقهم في ممارسة المهنة لأنهم وقعوا على بيان أصدره توفيق الحكيم يطالب بتحديد الموقف من المعركة مع إسرائيل، وظل إلى نهاية عمره يصف الصحفيين بأنهم أفندية يعيشون في المدن ولا يعرفون أخلاق القرية، لا يكتبون مقالات لكن يكتبون رزالات وسخائم. ويتهمهم بالعمل لحساب مراكز القوى وبأنهم يقبضون من السفارات، ولا يكف عن إبداء دهشته لأنه أعطاهم الحرية، فشتموه وشهروا بعهده. وعندما اغتيل في أكتوبر 1981 لم يكن قد مرَّ على إعلانه ثورة 5 سبتمبر التي أسفرت عن اعتقال 19536 من النشطاء السياسيين ينتمون لكل التيارات بينهم عدد من كبار الصحفيين ونقل عشرات منهم للعمل بأعمال غير صحفية.. وأغلق كل صحف المعارضة! ولم يختلف الرئيس مبارك عن أسلافه، فقد بدأ عهده بالإفراج عن المعتقلين السياسيين في عهد سلفه وإعادة الصحفيين المنقولين إلى أعمال غير صحفية إلى أعمالهم الأصلية وإعادة صحف المعارضة المغلقة للصدور وتعهد ـ كسلفه ـ بأنه لن يغلق صحيفة ولن يقصف قلما.. وبعد سنوات ـ وفي عام 1995ـ أصدر قانونا يضاعف عقوبة الحبس في جرائم النشر ليثور الصحفيون الذين كانوا يطالبون بإلغائها واستبدالها بالغرامة وتقرر صحف المعارضة الاحتجاب لمدة يوم احتجاجا عليها. وبعد عام من المقاومة ألغى هذه القوانين! ونظرة عابرة على ما جرى على جبهة الصحافة والإعلام في مصر في أعقاب ثورة يناير 2011 والذي وصل إلى ذروته في الأسبوعين الأخيرين تكشف عن أن الليلة شبيهة بالبارحة وان الصدام بين أي نظام حاكم وبين الصحافة في مصر يبدو استثناء من القاعدة التي تقول بأن المياه نفسها لا تجري في نفس النهر مرتين.. وأن التاريخ لا يكرر نفسه!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها