النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

في فقه البربرية الجديدة العودة المفجعة إلى عصر الر

رابط مختصر
العدد 8767 الخميس 11 ابريل 2013 الموافق غرة جمادى الآخر 1434

أسست الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى بعدوانهما الظالم على العراق في العام 2003م لمنطق جديد أنهى ما بقي من النظام الدولي القديم الذي كان - ولو نظريا - يعتمد على القانون الدولي كمرجعية أساسية لسلوك الدول الكبرى والصغرى على حد السواء، هذا المنطق ليس جديداً إلا في استدعائه من عصر الغاب الذي تكون الغلبة فيه للأقوياء، بحيث يحل منطق القوة بديلاً عن قوة المنطق. منذ ذلك العدوان السافر وما نتج عنه من تداعيات خطيرة ومأساة - ان على مستوى القطر العراقي الشقيق وان على مستوى الإقليم - شهد العالم تحولاً خطيراً وعودة مدهشة إلى قانون الغاب والى عصر الرمح والنشاب، ومثقفو العالم الحي يرفعون أصواتهم وأقلامهم ضد الهمجية الدولية المستحدثة، خاصة عندما أصبح الخطف (الرسمي) أمراً قانوناً وشرعياً ودولياً.. وعندما أصبح قلب الأنظمة والسيطرة على مصائر الأمم عملاً إنسانياً؟ وعندما أصبح بناء السجون خارج القانون عملاً مشروعاً، واحتلال البلدان وفرض معادلات سياسية جديدة فيها عملا ديمقراطياً، وعمليات زعزعة الأنظمة والبلدان ضمن سياق الفوضى الخلاقة تحولا نحو الأفضل. إن النظام العالمي الجديد الذي بدأ بسقوط الاتحاد السوفيتي وتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بالسطوة والسيطرة، هو رجعة مدهشة إلى عصر (الغاب) إلى ما قبل عصر الصناعة والزراعة، إلى ما قبل ظهور الديمقراطيات والمؤسسات، وحركات التحرر، والمد الحقوقي الذي اقتتلت من اجله ولأجله كل الأقليات والفئات والطبقات والشعوب المضطهدة.. قبل ظهور القوانين الحديثة والدبلوماسية والبروتوكولات والمواثيق المنظمة للعلاقات بين الدول في عصر الحداثة وما بعدها، ويمكن اختزال هذه الهمجية في بعض العناوين فقط: احتلال العراق واحتلال أفغانستان، وسجن ابو غريب، وسجن غوانتنامو. النظام العالمي الجديد يبدو اليوم كوكتيلا من الإجراءات التي سادت في نهاية الدولة الأثينية، ونهاية الدولة الرومانية، ونهاية الدولة الأموية والعباسية.. لقطات مستعارة من نيرون، وكاليغولا، وهولاكو، وتيمور لنك وقراقوش، هذا إذا تسامحنا مع نظام البربرية الجديدة، وربطناه كما ترون بحضارات لامعة قليلا أو كثيرا.. لأن المفروض حتى نقترب أكثر من الأمانة ان ننبش أكثر في حفريات ما قبل (الحضارة) ما قبل اللغة والكتابة والمدنية، ما قبل اختراع العجلة واعتناق الأديان التوحيدية.. ما قبل الفكرة البديلة عن الناب والظفر والبندقية، ما قبل استبدال القنص الزراعة والقطيع بالعائلة، والكهف بالبيت والحركة وبالكلمة، والمحاكاة وبالتجريد.. نظرة على تاريخ الحروب في الألفي سنة الماضية ترجعنا إلى أن أسبابها عموما كانت تتراوح بين طموح إلى نشر معتقد، أو احتلال أراض خصبة، أو ثأر لكرامة مهدورة، أو البحث عن مجال لتسويق منتج، أو دفع لخطر متوقع.. وفي كل هذه الحالات، كانت هناك أخلاقية.. حتى في افتك الحروب كانت هناك أخلاقية.. هتلر استثنى سويسرا المحايدة والفاتيكان مركز الدين المسيحي.. أما حروب النظام الدولي الجديد فهي بدون أخلاق، فهي من اجل الاستحواذ على ثروة بالمجان.. أو السمسرة على مصالح ضيقة تستعمل فيها أسوأ وسائل الإبادة وكل الطرق المحرمة من التجويع إلى التعطيش إلى ضرب المستشفيات وسيارات الإسعاف إلى تدمير المتاحف والمعابد وإلى الاختطاف الرسمي في وضح النهار.. حتى إذا كان المخطوف رئيس دولة.. وتذكروا هنا مثالاً واحداً دالاً: نورييجا المسكين الذي زحزح من مرتبة رئيس دولة حليفة إلى مرتبة لص مخدرات تعس.. في العهود الماضية كان الانتماء للوطن عقيدة والدفاع عنه واجب.. وفي النظام الدولي الجديد صار الانحياز ضد الأوطان اعتدالا وفضيلة.. والوطنية الوحيدة التي يسمح بها النظام الدولي الجديد هي تلك النعرات البدائية الاقتتالية التي تشطر الوطن إلى أحجار لا متناهية .. ومن المؤكد أن لا تبقى من هنا إلى سنة العشرين سنة القادمة لوكسمبورج كأصغر دولة في العالم. كلمة السيادة التي تغنت بها دساتير العالم لم يعد لها أثر.. وأصبح الساسة والدبلوماسيون أكثر وضوحا في الكلام، واقل (دبلوماسية) في القول.. انسحبت اللغة المهذبة وحلت محلها لغة السوقة والإرهابيين (لغة حق الاختطاف وحق الاقتلاع وحق المسح وحق إعلان الحرب الوقائية).. لم يعد واردا إن تسمع بين سفيرين جملا من نوع (إن حكومة جلالة الملكة غير مسرورة جدا من سعيكم).. بل صار يتم اقتحام الموضوع مباشرة (إذا لم تستجيبوا لطلبنا سنقصف رؤوسكم بالنابالم وبأسلحة الدمار الشامل).. السيادة الوطنية لم يعد لها وجود.. قالوا لابد من حرية مرور رأس المال.. وقالوا لابد من حرية مرور أحذيتنا فوق رؤوسكم وصدوركم.. وحدها (القوة الغاشمة والحرب المشرعة) يحق لها أن تصدر الأوامر وتحدد (الصالح والطالح).. قوانين بلادك ومؤسساتها لم تعد مهمة.. قرارات مجلس الأمن التي تمليها دولتان هي القانون وهي الشرعية.. يكفي ان تتحرك في الداخل عصابة مسيرة بالروموت وكنترول حتى تتحرك الجيوش والأساطيل والخبراء الأمويون.. ولأول مرة في التاريخ أدانا نستمع إلى مصطلحات من نوع (حق التدخل والحرب الوقائية). وفي هذا المناخ المريض فقدت العلاقات الدولية مناخها الحضاري المتحضر.. وصار عمل الجواسيس والمخابرات عملا محمودا يستجوب الفخر والثناء, ويتم الإعلان عنه على رؤوس الملأ.. فمنذ آلاف السنين كانت هناك أنظمة تسقط وعيون مرصودة وجواسيس متسللون وخناجر ملغومة.. ومصطلحات وشفرات.. ولكن لم يكن أي نظام يعترف بوجود هذه الكائنات الكريهة وكانت ارخص تهمة يمكن أن تقتل إنسانا هي كونه جاسوسا، وعندما كانوا يتحدثون عنهم يتحدثون عن مردة وشياطين وسحرة.. أما اليوم ففي زمن المخابرات البريئة والصواريخ الذكية فان الحديث عن الجاسوسية والمخابراتية صار علنيا وفعلا (جميلا) ومشروعا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها